اللاءات الثلاث.. أم التأييد مقابل الإنجاز؟

جمعة, 23/10/2026 - 15:44

أصبحت «اللاءات الثلاث» حاضرة في الجدل السياسي كلما طُرح موضوع تعديل الدستور أو تمديد المأموريات. وقد ذكّرتني بقصة رجل عرفته، رحمه الله، كان يعمل راعيًا للإبل في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ضاق الرجل بعمله ذات يوم، وأراد الرحيل من دون أن يصرّح بذلك. وحين سأله رب العمل عن حاله، أجابه بعبارة حسانية مقتضبة: «ألا ماني امصحّح».

حاول رب العمل أن يفهم ما يشكو منه، ثم اتصل بالسفارة الموريتانية بعدما عجز عن معرفة طبيعة مرضه، وأخبرهم بأن الرجل يرفض الذهاب إلى المستشفى.

طلب أحد موظفي السفارة التحدث إليه، وسأله عما به، فأجاب:

«ألاَّ گَاعدْ عْلِيَّ غَدَّاجْ منْ عنْد بيَاظْ لكْرَاعْ و الاّ امْنيْن يَلْحگْ ارْكَابِي تگْعدْ علِيَّ الدَّحْسَة ؤُ منْ فَمْ اصّ الاّ يَگْعدْ عْلِيَّ اتْمَابِي».

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع «اللاءات الثلاث». فقد يسبق البحث عن مبررات الرفض أحيانًا النظر في موضوعه، حتى يصبح الرفض موقفًا في حد ذاته. ولا أقصد بذلك التشكيك في حق أحد في الرفض، وإنما التساؤل عما يمكن أن نحققه بعده.

فالدستور وما يضمنه من تداول للسلطة أمر لا خلاف على أهميته، ومن حق القوى السياسية أن تتمسك بمواقفها. غير أن بقاء الحكم أو تغيّره ليس وحده مقياسًا لما تحقق للبلاد. فقد تتغير الوجوه وتبقى المشكلات، وقد تمضي سنوات من الاستقرار دون أن نستفيد من الفرص التي أتيحت لنا.

لا شك أن الحوار الوطني المرتقب فرصة لمناقشة هذه المسائل، لكن من المهم ألا ينحصر في موضوع الحكم وتداول السلطة. فهناك سؤال يستحق أن يأخذ نصيبه من النقاش: ماذا نريد أن نحقق لموريتانيا؟ ولماذا لا نتفق، إلى جانب التفاهمات السياسية، على أهداف وطنية محددة نلتزم بمتابعتها، مهما اختلفت مواقفنا؟

وإذا كان الاتفاق على الأهداف ممكنًا، فإن تقويم ما تحقق منها ينبغي أن يكون ممكنًا أيضًا. وهذا ما تقوم عليه فكرتي عن «التأييد مقابل الإنجاز»: أن يكون التأييد مرتبطًا بما ينجزه المسؤول، وأن يتحمل كل مسؤول تبعات عمله، نجاحًا أو تقصيرًا.

ولا أقصد بالإنجاز مجرد تدشين مشروع أو الإعلان عن اكتماله. فالمشروع يُقاس أولًا بما أُنشئ من أجله، وبما أضافه إلى حياة الناس. وقد تكون المشاريع مفيدة كلٌّ على حدة، لكنها لا تكوّن بالضرورة سياسة تنموية متكاملة. ولهذا نحتاج إلى أهداف وطنية لا تتغير بتغير الحكومات، ويمكن لمختلف القوى السياسية والاجتماعية أن تسهم في تحقيقها دون أن تتخلى عن مواقفها.

وليس في وسعنا أن نفكر في مستقبل البلاد بمعزل عما يجري حولنا. فاضطراب الأسواق، ومخاطر الأمن الغذائي والطاقوي، والتحولات الأمنية، تفرض علينا الاستعداد للأزمات قبل وقوعها.

لكن الاستعداد لا يكون بالخطط وحدها. فأسلوب الحكامة نفسه يحتاج إلى مراجعة، خاصة في توزيع المسؤوليات والتنسيق بين القطاعات. وكم من مشروع تعثر بين إدارتين، وكم من مشكلة طال أمدها لأن جهات متعددة تتقاسم مسؤوليتها، حتى أصبح الجميع معنيًا بها، ولا أحد يتحمل مسؤوليتها مباشرة.

والحكامة التي أتصورها تبدأ بأهداف وطنية واضحة، تُترجم إلى برامج ومشاريع في الولايات والمقاطعات والبلديات، مع تحديد المسؤول عن كل مشروع، وما لديه من صلاحيات ووسائل، ومتى يُنتظر منه إنجازه. عندئذ يمكن تقويم الأداء ومعرفة مواضع التقصير، بدل الاكتفاء بالتقارير والتصريحات.

وللمواطن مكانه في هذا التصور؛ فهو الأعرف بحاجات منطقته، وهو من يعيش نتائج المشاريع، سواء نجحت أم تعثرت. ويمكن للرقمنة وجمع البيانات أن يساعدا في متابعة الأعمال وتوجيه الملاحظات والشكاوى إلى المسؤولين عنها، بدل أن تضيع بين الإدارات.

ولا تقتصر مسألة الإنجاز على الخدمات والمشاريع المحلية. فهناك أهداف وطنية كبرى يمكن أن يجتمع حولها الموريتانيون على اختلاف مواقفهم، ويكون تحقيقها سببًا للاعتراف بجهود من أنجزها.

وفي السياسة مكاسب تُنال اليوم وتُفقد غدًا، وأعمال تبقى آثارها لعقود. فلماذا لا يخرج الحوار الوطني، إلى جانب التفاهمات السياسية، بأهداف من هذا القبيل؟ ولماذا لا تكون إعادة ضم مدينة الكويرة إلى موريتانيا من بينها، عبر تسوية سياسية وقانونية تراعي وضعها المتنازع عليه، وتحترم الشرعية الدولية ومصالح الأطراف المعنية؟

إن تحقيق إنجاز وطني بهذا الحجم يستحق التأييد والاعتراف بفضل من حققه، مهما تباعدت المواقف السياسية.

 

________

محمد الامين لحويج