جلوا آمادو لاي… حين يصبح التوافق السياسي رصيدًا للدولة، وتصبح المواطنة معيارًا للرجال

جمعة, 16/10/2026 - 22:09

ما بعد الحوار المرتقب لن يكون مجرد مرحلة جديدة في النقاش السياسي، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الاستفادة من الكفاءات التي تجمع بين الثقة السياسية، والحضور الاجتماعي، والالتزام بمشروع وطني يتجاوز الحسابات الضيقة.

في هذا السياق، يبرز اسم السيد جلوا آمادو لاي، الأمين العام لوزارة المالية، بوصفه شخصية تستحق أن تحظى بقراءة أعمق من مجرد موقعها الإداري أو انتمائها الجغرافي.

فالرجل، المنحدر من منطقة كوركل، والمنتسب إلى إحدى أعرق أسر الفولان فيها، والناطق باللغة العربية، يجمع بين امتدادات اجتماعية وثقافية متعددة، وهي عناصر يمكن أن تشكل رصيدًا مهمًا في خدمة دولة تتطلع إلى ترسيخ المواطنة الجامعة وتعزيز التفاهم بين مكوناتها.

لكن قيمة الرجال لا تُقاس بأصولهم وحدها، ولا بالمناصب التي يشغلونها، وإنما بما يستطيعون تقديمه من عمل، وما يتركونه من أثر، وما ينجحون في بنائه من جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.

كوركل… حين يتحول التوافق إلى موقف سياسي

لقد أظهرت ولاية كوركل، خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، بحسب ما عكسته مواقفها ونتائجها، توجهًا داعمًا لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.

والأهم من ذلك هو أن التوافق السياسي لا ينبغي أن يُختزل في لحظة انتخابية عابرة؛ فقيمته الحقيقية تظهر حين يتحول إلى استقرار، ومشاركة مسؤولة، ومساندة لجهود الدولة في تنفيذ البرامج والتعهدات الرئاسية.

ومن هذا المنظور، تكتسب الشخصيات التي تعمل على توسيع دائرة التفاهم، وتغليب منطق الدولة على التجاذبات، أهمية خاصة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد حشد التأييد، بل تحويل الثقة السياسية إلى قدرة على الإنجاز، وتحويل التقارب الاجتماعي إلى فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي يُنسب إلى السيد جلوا آمادو لاي في دعم هذا التوجه داخل ولايته، والعمل على ترسيخ ثقافة التوافق والمواطنة.

من الإدارة إلى الرؤية الوطنية

إن المسؤولية الإدارية، مهما ارتفع مستواها، لا ينبغي أن تكون غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة المواطن وتمكين المؤسسات من أداء مهامها بكفاءة.

وفي مرحلة تتطلع فيها البلاد إلى إصلاحات أوسع، وإلى جعل الحوار المرتقب مدخلًا لتطوير الحياة السياسية والمؤسسية، تزداد الحاجة إلى مسؤولين يدركون أن نجاح البرامج الحكومية لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد، واحترام المؤسسات، والقدرة على تحويل التوجهات العامة إلى نتائج يشعر بها المواطن.

إن الرهان الحقيقي هو بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتُقاس فيها قيمة المسؤول بما يضيفه إلى المصلحة العامة، وبما يقدمه من نموذج في الالتزام والمسؤولية.

ومن هنا، فإن الحديث عن جلوا آمادو لاي ينبغي أن يتجاوز حدود التعريف بشخصه، ليطرح سؤالًا أوسع: كيف يمكن الاستفادة من المسؤولين الذين يجمعون بين الخبرة الإدارية، والامتداد الاجتماعي، والقدرة على التواصل مع شرائح المجتمع المختلفة، في خدمة مشروع الدولة؟

ما بعد الحوار… هل ننتقل من التوافق إلى تجديد النخب؟

إن الحوار المرتقب يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز القضايا المطروحة على طاولته، ليشمل أيضًا طبيعة المرحلة التي تليه، ومعايير اختيار الكفاءات، وأهمية تجديد أساليب العمل السياسي والإداري.

فالدول لا تتقدم بمجرد إعادة توزيع المواقع، وإنما حين تحسن اكتشاف طاقاتها، وتمنح الكفاءة والمسؤولية والقدرة على الإنجاز المكانة التي تستحقها.

ولا يعني ذلك أن التوافق السياسي وحده يكفي للحكم على أداء أي مسؤول، أو أن الانتماء الاجتماعي يمنح صاحبه امتيازًا على غيره؛ بل يعني أن هذه العناصر، حين تقترن بالعمل والنزاهة والنتائج، يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة في مسار الدولة.

ولعل هذا هو المدخل الأجدى لقراءة تجربة السيد جلوا آمادو لاي: ليس باعتباره اسمًا يُطرح للمجاملة، بل باعتباره نموذجًا يمكن أن يكون موضع نقاش وتقييم في سياق البحث عن شخصيات قادرة على الإسهام في المرحلة المقبلة.

فموريتانيا لا تحتاج إلى رجال يجيدون التعبير عن التوافق فحسب، بل إلى رجال يستطيعون تحويله إلى مؤسسات فاعلة، ومواطنة متساوية، وبرامج ناجحة، وثقة متجددة بين الدولة ومواطنيها.

وفي نهاية المطاف، لا تصنع الألقاب وحدها مكانة الرجال، ولا تكفي الجذور العريقة لصناعة المستقبل؛ إنما تصنعه المواقف، ويثبته العمل، وتحكم عليه النتائج.

والمرحلة المقبلة ستكون، بلا شك، فرصة لإعادة طرح السؤال الأهم: من هم الرجال الذين يمكن أن يتحول حضورهم من مجرد موقع في الإدارة إلى إضافة حقيقية للمشروع الوطني؟

إنه سؤال يستحق أن يُطرح بجدية، بعيدًا عن المجاملة والاصطفاف، وفي إطار دولة تجعل خدمة المواطن والكفاءة والمواطنة الجامعة أساسًا لكل استحقاق.

 

________
ام كلثوم محمد المصطفى