
نشر أحد مدوّني جماعة الإخوان عنوانًا يقول: «قائد أركان جيش موريتانيا حضر معرضًا في مراكش بمشاركة وفد إسرائيلي».
عنوانٌ يختزل حدثًا دوليًا في زاوية واحدة، ويضع القارئ أمام إيحاء سياسي قبل أن يضعه أمام الأسئلة الحقيقية.
لكن دعونا نناقش الموضوع بعيدًا عن الضجيج والشعارات.
المعرض حدث دولي معلن، وقد نُشرت أخبار مشاركة قائد الأركان في وسائل الإعلام الموريتانية، كما تناولت وسائل إعلام مشاركة الوفد الإسرائيلي. وبالتالي، فإن النقاش الجاد لا ينبغي أن يتوقف عند وجود إسرائيل في المعرض، بل يجب أن يتناول طبيعة المشاركة الموريتانية وأهدافها وما يمكن أن تحققه من مصالح للبلد.
فهل أصبحت مشاركة دولة في معرض دولي تعني بالضرورة تأييد كل دولة تشارك فيه؟ وهل يُعقل أن تعزل الدول نفسها عن المحافل الدولية كلما حضرتها دولة تختلف معها سياسيًا؟
إن الدول لا تُدار بمنطق العناوين المثيرة، ولا تُبنى سياساتها الدفاعية على ردود الأفعال. فالمعارض العسكرية فضاءات للاطلاع على أحدث التقنيات، ومتابعة تطورات الصناعات الدفاعية، ودراسة خيارات الاقتناء والتعاون، وفق ما تقتضيه المصالح الوطنية.
أما الاستشهاد بالدين، فينبغي أن يكون قائمًا على العلم والإنصاف، لا على الانتقاء الذي يخدم الخصومة السياسية. لقد تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في سياقات تاريخية متعددة، ولكل واقعة ظروفها وأحكامها؛ لذلك لا يصح اختزال التاريخ في شعارات، ولا إسقاط الوقائع التاريخية على أحداث معاصرة دون فهم سياقاتها.
ولنكن واضحين: لا أحد فوق النقد، ولا ينبغي أن تُعفى أي مشاركة رسمية من المساءلة. لكن النقد المسؤول يبدأ من الوقائع، ويميز بين المشاركة المهنية والتأييد السياسي، ويبحث في الأهداف والنتائج بدل الاكتفاء بإثارة المشاعر.
إذا كان لديكم اعتراض على حضور قائد الأركان، فالسؤال هو: ما الخطأ المحدد في هذه المشاركة؟ وما الدليل عليه؟ وما البديل الذي يخدم مصالح موريتانيا؟
أما اختزال الحدث كله في وجود وفد إسرائيلي، وكأن هذه المعلومة وحدها تكفي لإصدار الحكم، فهو لا يقدم إجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمصلحة الوطنية.
إن متابعة التطورات العسكرية والتكنولوجية جزء من التحديات التي تواجه الدول في عالم لا ينتظر المترددين. والحكمة ليست في الانسحاب من كل محفل دولي تثير مشاركة أحد أطرافه خلافًا سياسيًا، بل في معرفة كيفية التعامل مع هذه المحافل بما يحفظ المصالح والسيادة، وضمن الضوابط السياسية والقانونية والأخلاقية ذات الصلة.
موريتانيا ليست مطالبة بإدارة مصالحها وفق مزاج هذا التيار أو ذاك، كما أن الدفاع عن المصلحة الوطنية لا يعني منح المسؤولين حصانة من النقد. المعيار هو الدليل، والهدف، والنتيجة.
أما تحويل كل حدث إلى معركة أيديولوجية، وتقديم العناوين المثيرة على حساب مناقشة الوقائع، فلا يخدم النقاش العام ولا يقدم بديلًا عمليًا.
إلى من جعلوا تصيّد المواقف منهجًا في الخصومة السياسية.
ناقشوا الوقائع، وقدّموا الأدلة، واطرحوا البدائل. فالقضايا الوطنية أكبر من أن تتحول إلى أوراق في سجالات التيارات والأحزاب.
الدول تُدار بفهم العالم وحساب المصالح، لا بالمزايدات.
والتاريخ لا يُكتب بالعناوين وحدها، بل بالمواقف والوقائع وما تثبته الأيام
هذه هي المسأله ببساطه..
________
أم كلثوم محمد المصطفى

.gif)
.jpg)