
ليس كلُّ غيابٍ خذلانًا ، ولا كلُّ حضورٍ إكرامًا ، ولا كلُّ من أطرق أبواب الأفراح نال من العزِّ نصيبًا ؛ فربَّ غائبٍ أبلغُ من ألف حاضر ، وربَّ صمتٍ أَنْطَقُ من لجبِ الخطباء ، وربَّ امتناعٍ عن المشهد أرفعُ في ميزان المروءة من التزاحم على أعتابه.
ومن رام استجلاءَ مغزى غياب أبناء شريحة لمعلمين عن مجالس التهاني بالحكومة الجديدة ، ومشاهد مواساة الوزراء الذين طُويت صحائفهم من الدواوين ، فليجاوز ظاهر الواقعة إلى مُضمراتها ، وليستقرئ من أحوال الناس ما تختزنه الصدور من ضغائن الإقصاء ، وما تُضمره النفوس من إباءٍ تأبى معه الضيمَ وإن طال أمده واستحكمت أسبابه.
فليست المسألةُ مسألةَ أرغيةٍ تُنحر ، ولا وُدٍّ يُتكلَّف ، ولا أكفٍّ تتصافح في مواسم البِشر والترح ؛ إنما هي مسألةُ مقامٍ ومكانة ، واعتبارٍ وامتهان ، ومواطنةٍ يُراد لها أن تستوي في الشعارات ، ثم تتفاوت في المغانم والمنازل.
وليس هذا الغيابُ ( في تقديري ) حادثةً مبتورةً من سياقها ، ولا سلوكًا طارئًا لا سابقة له في تاريخ الجماعات التي طال بها المكث على هامش الاعتبار.
فالتاريخ يُنبئنا أن الفئات التي استُنزفت كرامتها في مآتي العيش ، وحيل بينها وبين أسباب النفاذ إلى دوائر القرار ، لا تظلُّ إلى الأبد رهينةَ استرضاء الآخرين ، ولا تُسرف في ارتياد المجالس التي لا تجد فيها من منزلتها إلا اسمًا أجوف ، ومن مواطنتها إلا رسمًا لا روح فيه.
وقد عرف المجتمع الموريتاني ، في امتداد تاريخه الاجتماعي ، ضروبًا من التراتب الذي لم يكن منشؤه الكفاءة وحدها ، ولا مدارُه الاستحقاقَ المجرد ، بل تداخلت فيه أحكام المهنة والمكانة الموروثة ، واستحكمت به أعرافٌ جعلت بعض الناس أقرب إلى صدارة المشهد ، وأبقت آخرين في كَنَف التهميش ، وإن علت مراتبُ أفرادهم في العلم والخبرة والنضال.
ومن هنا فإن غياب أبناء لمعلمين عن هذه المواسم السياسية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره عجزًا عن الاندماج في المجتمع ، ولا جفاءً مجانيًّا تجاه أشخاصٍ بأعيانهم ، بل يجوز أن يُقرأ بوصفه أمارةً على اختلالٍ أعمق : اختلالٍ بين خطاب المساواة وممارسة الإنصاف ، وبين ما تُعلنه الدولة من استحقاق المواطنة وما تكشف عنه خرائط التعيين وتوزيع النفوذ من تفاوتٍ في الحظوظ.
وأرى أن لهذا الغياب باعثين جوهريين ، يتعاضدان ولا يتنافران:
أولهما الامتعاض من واقع التهميش :
فمن ذا الذي يُطالَب بأن يتهلّل لفرحٍ سياسيٍّ لم يجد له في نصيبه موضعًا ، أو أن يُواسي الخارجين من مناصب الدولة ، وهو يرى أن أبواب المشاركة لا تزال موصدةً في وجه فئته ، وأن التداول على المسؤوليات يجري في كثير من الأحيان دون تمثيلٍ منصفٍ لمكوّنات المجتمع؟
إن الامتعاض هنا ليس حسدًا على منصب ، ولا تشفّيًا في مُقال ، ولا ضغينةً على مُعيَّن ؛ بل هو حصيلةُ تراكمٍ من الشعور بأن الوطن أوسعُ من أن يُختزل في وجوهٍ تتعاقب ، وأجلُّ من أن تُحصر كفاءاته في دوائر ضيقة ، وأحقُّ بأن تكون المسؤولية فيه ميدانًا للتنافس على الخدمة ، لا امتيازًا تتوارثه الاعتبارات الموروثة وتستبقيه موازينُ النفوذ.
فإذا خلا التشكيل الحكومي من تمثيلٍ معتبرٍ لأبناء شريحة لمعلمين ، ثم أُريد إليهم أن يشاركوا في طقوس الابتهاج وكأنَّ شيئًا لم يكن ، فإنما يُطلب منهم أن يواروا جراح التهميش وراء أستار المجاملة ، وأن يستبدلوا بمساءلة الواقع مُداراةَ القائمين عليه.
وهذا ما لا يستقيم في منطق السياسة الرشيدة ، ولا في ميزان الإنصاف الذي تُبنى عليه الدول العادلة.
وثانيهما : استحضار الكرامة والإدراك بأن للنفوس إباءً لا يُشترى بالمجاملات.
فالكرامة ليست مِرْيَةً في المجالس ، ولا عُتوًّا على الناس ، ولا انكفاءً عن المجتمع ؛ وإنما هي أن يعرف المرء قدر نفسه ، فلا يبتذل حضوره حيث لا يجد لمكانته اعتبارًا ، ولا يجعل من التزلف جسرًا إلى حقٍّ ينبغي أن يُنال بالاستحقاق ، ولا يستعيض عن المشاركة الفعلية بفتات المجاملة.
إن أبناء لمعلمين وهم جزءٌ أصيلٌ من النسيج الوطني ، ليسوا مُلزمين بأن يجعلوا من حضورهم زينةً للمشهد السياسي ، ولا من ابتساماتهم شهادةَ رضًا على واقعٍ يطالبون بإصلاحه.
ومن حقهم أن يختاروا متى يحضرون ، وأين يقفون ، وبأي خطابٍ يعبرون عن أنفسهم ؛ على أن يكون ذلك اختيارًا واعيًا ، لا استجابةً لنزعة انتقام ، ولا انجرارًا إلى خصومةٍ مع المجتمع أو الأفراد.
فليس المقصود أن تُستبدل عزلةُ التهميش بعزلةٍ اختيارية ، ولا أن تُقام بين لمعلمين وسائر مكونات الوطن أسوارٌ من الجفاء ؛ بل المقصود أن يُعاد ترتيب العلاقة على أساس الندية في المواطنة ، وأن يُفهم أن الاحترام لا يُستجدى في مجالس العابرين ، وإنما يُؤسَّس بسياساتٍ عادلة ، وتمثيلٍ منصف ، واعترافٍ لا تبتلعه المجاملات.
وإن من أشنع المفارقات أن يُستحضر أبناء الفئات المهمشة في مواسم الحشد ، وتُستحسن أصواتهم حين تدعو الحاجة إلى تزكية مشهدٍ سياسي ، ثم يُغفل عنهم حين تُوزَّع المسؤوليات وتُفتح أبواب التأثير.
تلك قسمةٌ لا تستقيم ، وموازنةٌ لا يرضاها من أبصر حقيقة المواطنة ، ولا يُذهب وَقْرَها في النفوس وفرةُ الولائم ولا ضجيجُ المصافحات.
وخلاصة القول : إن غياب لمعلمين عن مجالس الفرح بالحكومة الجديدة ومواساة الوزراء المُقالين ، إن صحَّ بوصفه ظاهرةً ذات دلالة ، فهو جديرٌ بأن يُقرأ باعتباره رسالةَ امتعاضٍ من التهميش ، وإشارةً إلى استعادة الاعتبار الذاتي ؛ لا حكمًا على نيات كل غائب ، ولا دليلًا قاطعًا على موقفٍ جماعيٍّ موحّد.
فالسياسة ليست أعطياتٍ تُلتقط ، ولا موائدَ يُسترضى بها الناس ، ولا مآتمَ يُستكمل بها مشهد الوفاء ؛ وإنما هي مسؤوليةٌ وتكليف ، ومشاركةٌ في القرار ، وعدالةٌ في توزيع الفرص.
ومن أراد لمعلمين أن يكونوا حاضرين في أفراح الوطن وأتراحه ، فليجعل لهم فيه نصيبًا من القرار ، ومكانًا في مؤسسات الدولة ، واعتبارًا في ميزان الاستحقاق ؛ فإن المرءَ قد يُغضي عن جفوةٍ عارضة ، لكنه لا يرضى أن يُجعل غريبًا في وطنه ، ثم يُستدعى شاهدًا على أفراح غيره.
فالكرامةُ لا تُستعطى ، والإنصافُ لا يُستجدى ، والمواطنةُ لا تُقاس بعدد الوجوه في مجالس التهنئة ، بل بمقدار ما يناله الناس من حقوقهم في دولةٍ لا تزن أبناءها بميزان الأصل والمهنة والموروث ، وإنما بميزان الكفاءة والاستحقاق والعدل.
_______
إحمودي الصديق

.gif)
.jpg)