
ليست كل احتفالات تُقام باسم الثقافة فعلًا ثقافيًا، فبين التسمية والمضمون مسافة، وفي تلك المسافة تُصاغ الذاكرة أو تُفرَّغ من معناها.
الثقافة أم الفرجة؟
متى يمكن أن نُطلق على المهرجانات التي تُنظَّم في الولايات صفة «ثقافية» حقيقية، أو كرنفالات سياحية ذات هوية واضحة؟
السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل مدخل ضروري لإعادة تعريف المفهوم، ووضع معايير تميّز بين ما هو ثقافي بالمعنى العميق، وما هو احتفالي استعراضي.
الثقافة، في جوهرها، لا تختزل في عرض فني أو فقرة فولكلورية، بل تشمل التاريخ والفكر والأدب والفن، وكل ما أنتجه الإنسان داخل خصوصية المكان وسياقه الاجتماعي. هي سرد للذاكرة، وتجسيد للهوية، وحوار بين الماضي والحاضر، لا مجرد إيقاع عابر أو مشهد سريع.
أما الكرنفالية، فهي بطبيعتها عروض ترفيهية أساسًا، يغلب عليها الفلكلور والاستعراض. الإشكال لا يكمن هنا، بل في الخلط بين الكرنفال والفعل الثقافي العميق، أو في تقديم الترفيه كبديل عن الثقافة الحقيقية.
المحتوى: الركيزة الغائبة
تحويل مهرجانات الولايات إلى فضاءات ثقافية حقيقية يتطلب عملًا جادًا يبدأ من تحضير المحتوى، مرورًا بـ اختيار المواد وفرزها بعناية، وصولًا إلى تقديمها في قالب يحترم الذائقة العامة ويصون الذاكرة الجماعية.
وهنا يبرز الدور المحوري لوزارة الثقافة، لا كضيف شرف، بل كجهة إشراف فعلية على المحتوى، تستعين بلجان من أصحاب الكفاءات والخبرة، للإشراف على اختيار المادة، وتنسيق المحتوى، وضمان تجديده، على نحو يمزج بين الحاضر والماضي دون قطيعة أو افتعال.
السرد والتجسيد والإلقاء
نحن بحاجة إلى السرد، لا بوصفه حكاية للتسلية، بل كأداة وعي واستعادة للذاكرة.
إلى التجسيد، لا كعرض مسرحي عابر، بل كإحياء للهوية.
وإلى الإلقاء، حين يكون حاملًا للفكرة لا مجرد أداء صوتي بلا معنى.
الموسيقى، كذلك، يجب أن تُوظَّف كوسيلة لإحياء الموروث الثقافي واستدعاء الذاكرة السمعية للبلد. وحتى عادات المجتمع، بما فيها ما يبدو اليوم غير منطقي أو غير مقبول، تظل جزءًا من تاريخه الاجتماعي، تحتاج إلى فهم وتأريخ لا محو أو تمجيد.
أمثلة حية
تاريخ القائل، وتاريخ الإمارات، وتاريخ المقاومة، كلها عناصر لا تكتمل إلا بالسرد والتجسيد معًا، لأن الهوية لا تُقدَّم في عناوين، بل تُبنى في التفاصيل.
وفي هذا السياق، يلفت الانتباه عنوان «مهرجان البادية للأصالة والثقافة والتراث»، عنوان يبدو منسجمًا مع محتواه المعلن، وبعيدًا عن التسميات الفضفاضة.
ومن المفارقة أنني كتبت هذا المقال قبل اطلاعي على خبر المهرجان المزمع تنظيمه في أم اَطبول، وهي منطقة لم أكن أعرف عنها شيئًا مسبقًا. غير أن الإعلان عن المهرجان، وفقراته، وأهدافه ، كان سببًا كافيًا لإدراجه هنا استشهادًا بإمكانية أن يلتقي العنوان بالمحتوى، وأن تكون النية الثقافية واضحة منذ البداية.
المهرجانات، حين تُقام بلا رؤية، تكون مجرد ضجيج عابر.
أما حين تُبنى على وعي، تتحوّل إلى ذاكرة حية، تصنع معنى، وتترك أثرًا طويل المدى.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الاحتفال باللحظة، وصناعة التاريخ.
__________
بقلم ام كلثوم محمد المصطفى
https://chinguitel.mr/.gif)