عيد الربيع الصيني 2026 ورمزية الحصان

اثنين, 16/02/2026 - 15:22

في العادة تحتفل كل شعوب العالم برأس السنة الجديدة، والصينيون ليسوا استثناء في ذلك، لكن ما يميزهم هو احتفالهم برأس السنة الجديدة حسب التقويم الزراعي الصيني أي ما يعرف محليا باسم "عيد الربيع" أو بالدارجة "قوه نيان"، والذي يعد أهم الأعياد التقليدية في الصين، وقد تم إدراجه ضمن قائمة (اليونسكو) للتراث الثقافي غير المادي في ديسمبر 2024.

يعتمد الناس في المجتمع الصيني على التقويم الزراعي لتحديد مواعيد الأعياد والمهرجانات طوال العام، وكل عام يتخذ من أحد حيوانات الأبراج الصينية الاثني عشر بشكل دوري رمزا له، والعام الجديد الصيني الذي سيحل في 17 فبراير الجاري يصادف عام الحصان.

ويحتل الحصان مكانة مرموقة في الثقافة الصينية التقليدية، فهو لا يقتصر على كونه الحيوان السابع في ترتيب الأبراج الصينية فقط بل يكتسب دلالات رمزية متعددة أبرزها النجاح والتقدم، الطموح والوفاء بالوعد، الإخلاص والتفاني، النشاط والحيوية.

مكانة الحصان تضاهي مكانة التنين

من المعروف أن الصينيين يطلقون على أنفسهم لقب "أبناء التنين"، والتنين مخلوق أسطوري لا وجود له في الواقع، وهو طوطم الأمة الصينية. وتجدر الإشارة هنا بالطبع إلى أن التنين أو "اللونغ" في الثقافة الصينية يختلف تماما عما تصفه وسائل الإعلام الغربية بـ"الدراغون" أو "التنين" الذي يرمز إلى النار والشر والرعب. فالتنين الصيني يرتبط عادة بالماء والسحب، ويرمز إلى البشرى والنبل والبركات والخير وغيرها من الدلالات الإيجابية. وكان نسل الأباطرة في العصور القديمة يُسمَّون "أبناء التنين وأحفاده"، ولذلك يشيع في الصينية قولُهم: "يتطلّع الوالدان إلى أن يصبح ابنهما تنّينا"، أي أن يحقق نجاحا باهرا.

يقول المثل الشعبي: "الحصان والتنين متشابهان بنسبة ثلاثين بالمئة" مما يعكس المكانة الرفيعة التي يحتلها الحصان في وجدان الناس. لذا يمكن القول إن مكانة الحصان تضاهي مكانة التنين في الثقافة الصينية. وإذا كان التنين كائنا خارقا يسبح في الماء ويحلّق في السماء، فإن الحصان "تنين يركض على اليابسة".

كما يستخدم الصينيون عبارة "روح التنين والحصان" للدلالة على الحيوية والعزيمة والإقدام رغم الصعوبات، وهذا المعنى يلتقي في دلالته مع ما يعكسه المثل العربي القائل: "الخيل تجري على مساويها".

الكفاءة والذكاء

يعتبر الحصان رمزا لأهل الكفاءة والصلاح في المجتمع الصيني منذ القدم. وكان الموهوب المتفرد يُشبَّه غالبا في الشعر القديم بـ"الفرس الذي يقطع ألف ميل في اليوم" أي الجواد النادر رفيع الشأن، وهذا يتماشى مع المثل العربي القائل: "أشد من فرس".

وقال الأديب هان يوي (768-824 الميلادي) في عهد أسرة تانغ في مقاله «حديث عن الخيل»: "إن خيل الألف ميل كثيرة، ولكن (بو له) العارف بها نادر". ويُقصد بـ(بو له)الخبير البارع في تمييز أجود الخيل، وقد أصبح رمزا لمن يُحسن اكتشاف المواهب وتزكيتها، ويتمتع ببصيرة نافذة.

كما كتب الشاعر تشيو يوان في عهد أسرة يوان(1206-1368 الميلادي) في إحدى قصائده: "قولوا للذين ينتقون الجياد الأصيلة: لا تنظروا إلى كون الفرس ذكرا أم أنثى، ولا إلى لونها أسود أم أصفر، فالحصان الحقّ لا يُقاس بمظهره، بل بروحه وهيبته المعنوية".

وفي قصور الأباطرة القدامى، كثرت اللوحات والنقوش البارزة التي تتخذ من الحصان موضوعا لها، في دلالة رمزية على احترام الحكّام لأعمدة المجتمع من ذوي الكفاءة، وتجسيدا لتطلعهم الصادق إلى استقطاب أهل المواهب لمساعدتهم على إدارة شؤون البلاد.

الطموح والشجاعة

في عصر الممالك الثلاث، حين كانت الصين تعيش حالة انقسام بسبب الحروب المتواصلة، عبّر تساو تساو(155-220 الميلادي) الحاكم الذي سيطر على الشمال عن طموحه في إعادة توحيد البلاد بقوله الشهير: "الجواد العجوز وإن لزم مربطَه، فإنه يظل يطمح إلى قطع ألف ميل؛ والرجل الشريف وإن بلغ أرذل العمر، لا تنطفئ عزيمته".

ولا شك أنّ الحصان الذي قصده تساو كان حصانَ حربٍ خَبِرَ ميادينَ القتال. فالحصان ارتبط عبر التاريخ بالحرب والشجاعة والفروسية، وهو ارتباط نجده مشتركا مع الأدب العربي، كما قال عنترة بن شداد: "هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا ابنَةَ مالِكٍ ** إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي"، في دلالة على أن الجواد شاهد على بسالته وقوته.

لم يكن الحصان وسيلة نقل فحسب، بل كان أيضا عنصرا عسكريا أساسيا، حتى عُدَّ معيارا لقوة الدولة. فقد استخدم الحكيم الصيني كونفوشيوس (551-479 ق.م.)مصطلحات مثل "دولة العشرة آلاف عربة" للدلالة على الدولة العظمى، و"دولة الألف عربة" للدولة المتوسطة، و"دولة المئة عربة" للدولة الصغيرة.

وكانت تجرّ "العربة الحربية" أربعةُ أحصنة، وعلى متنها ثلاثة مقاتلين، يرافقهم اثنان وسبعون من المشاة وخمسة وعشرون من أفراد الدعم، أي ما مجموعه مئة رجل تقريبا. وبذلك كانت "دولة الألف عربة" تشير إلى قوة عسكرية تقارب مئة ألف جندي.

وعند وصف جيشٍ عرمرم ذي بأس، يقال في الصينية "ألف جيش وعشرة آلاف حصان"، تعبيرا عن الكثرة والقوة. وقد خُلِّدت في التاريخ الصيني أسماء خيولٍ حربية شهيرة، مثل الحصان "وو تشوي" الذي امتطاه القائد شيانغ يو(232-202 ق.م.)، والحصان "دي لو" الخاص بالملك ليو بي(161-223 الميلادي)، والحصان "تشي تو" الذي اشتهر به الجنرال قوان يو (163-220 الميلادي)، وهي أسماء لا تزال معروفة لدى عامة الناس حتى اليوم.

الإخلاص والتفاني

أصبح الحصان "تشي تو" الذي ذكرناه سالفا رمزا للإخلاص في ذاكرة الصينيين. ففي الفترة ما بين عامي 190 و280م، انقسمت الصين إلى ثلاث ممالك: دولة وي في الشمال بقيادة تساو تساو، ودولة شو في الجنوب الغربي بقيادة ليو بي، ودولة وو في الجنوب الشرقي بقيادة سون تشوان (182-252 الميلادي).

وفي عام 200م، دارت معركة في شيويتشو بين تساو تساو وليو بي، فانهزم الأخير وفرّ. وأُسر الجنرال قوان يو، أخو ليو بي بالولاء، بعدما بقي لحماية زوجتي ليو. أُعجب تساو تساو بشخصية قوان يو وأراد استمالته، فأغدق عليه الهدايا الثمينة. واضطرَّ قوان إلى الاستسلام مؤقتا خوفا على سلامة الزوجتين، شرط أنه متى علم بمكان أخيه ليو فسوف يغادر فورا للالتحاق به.

وفي رواية «الممالك الثلاث»، يُذكر أنه حين أهدى تساو الحصان "تشي تو" لقوان انحنى الأخير مرتين كتعبير عن شكره، ودار بينهما الحوار التالي:

تساو: "أهديتُك الكثير من الذهب والجَواري لكنك لم تنحن أمامي، واليوم أهديك حصانا فتنحني مرتين، فهل الحصان أغلى من باقي الهدايا؟"

قوان: "أعلم أنّ هذا الحصان يقطع ألف ميل في اليوم، وبفضله أستطيع الوصول إلى أخي ليو في يوم واحد متى عرفتُ مكانه."

وفي تلك اللحظة، لم يعد الحصان مجرد دابة، بل صار رسولا بين الأخوين.

بعدها أُسر قوان يو وقُتل في حربه مع دولة وو، فوهب الملك سون تشوان الحصان "تشي تو" إلى أحد جنرالاته. غير أنّ الحصان حزن على صاحبه فامتنع عن الطعام ومات، ليُجسّد في المخيال الصيني صورة الإخلاص المطلق. وهذه القصة تعكس إخلاص قوان لأخيه ليو وكذا إخلاص حصانه له في آن واحد.

الصدق والوفاء بالوعد

من الأمثال الصينية الشهيرة قولهم: "كلمةُ الرجل الفاضل، ولو سارت بها أربعُ خيول، لا يمكن استرجاعها". ويعني ذلك أنّ الوعود متى خرجت من الفم لا يمكن التراجع عنها، في تأكيد على أهمية الالتزام بها.

وبدوره يروي كتاب «هانفي تسي» قصة عن وفاء الحصان، إذ ضلَّ جيش الملك تشي هوان قونغ (القرن السابع قبل الميلاد) في أحد الوديان، فقال الوزير قوانتشونغ: "يمكننا الاستعانة بذكاء الحصان الهَرِم". فأُطلق الحصان ثم سار بالجيش حتى عاد سالما. ومن هنا جاء المثل "الحصان العجوز يعرف الطريق"، في إشارة إلى الوفاء والصدق والخبرة المتراكمة.

الحصان والزمن والاجتهاد

في اللغة الصينية، إذا أراد الناس التعبير عن معنى "الآن فورا" قالوا: "على ظهر الحصان"، أي "في الحال". وهو تعبيرٌ يقوم على تشبيه السرعة بالحصان لأنه كان أسرع وسيلة للتنقل. وقد أشرنا سابقا إلى "حصان الألف ميل" حيث تتجلى سرعة الحصان بأبلغ صورة.

وقال الفيلسوف الصيني تشوانغ تسي (القرن الرابع قبل الميلاد): "إن حياة الإنسان بين السماء والأرض كمرور جوادٍ أبيض عبر فجوةٍ ضيّقة، لا تستغرق إلا لحظة." وهو تصوير بليغ لسرعة انقضاء الزمن.

أما المفكر الصيني شوين تسي (313-238 ق.م.) فقال في سياق حثّه على طلب العلم: "الجواد الأصيل في قفزة واحدة لا يقطع عشر خطوات؛ أمّا الحصان الضعيف فإذا واصل السير عشرة أيام بلغ الألف ميل، وسرّ نجاحه يكمن في عدم الانقطاع". وفي ذلك إشارة إلى أنّ الاجتهاد والمثابرة أهم من الموهبة وحدها، وأنّ الاستمرار هو طريق الإنجاز. وهذا المعنى يلتقي مع ما ورد عن الرسول ﷺ: "أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ".

لقب "ما" ومسلمو الصين

يشار إلى أن الحصان باللغة الصينية يسمى "ما"، وهو يُعدّ من أبرز الألقاب الشائعة بين المسلمين الصينيين. ويرتبط ذلك إلى حد كبير بكونه اختصارا صوتيا لاسم النبي محمد ﷺ عند نقله إلى الصينية. فالعالم المسلم الصيني ما جيان (محمد مكين) على سبيل المثال هو صاحب الترجمة الصينية الأكثر اعتمادا للقرآن الكريم.

قال المتنبي: "عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ ** بما مضى أم بأمر فيك تجديد"، ولعلّه قالها وهو بعيدٌ عن أحبّته، ومثقلُ القلب بالحنين والحزن، غير أنّني أستعير هذا المطلع لأبعث إليكم تحية مع بداية عام الحصان الصيني، متمنيا أن يحمل في طياته لكم ولأهلكم تجديد الخير واليمن والبركات.

 

(بقلم الصحفي الصيني لي قانغ من قناة CGTNالعربية التابعة لمجموعة الصين للإعلام)