
توجد ملفات قضائية تتجاوز الإطار البسيط لنزاع تجاري. قضية RIM Communication (RIMCOM) تنتمي بوضوح إلى هذه الفئة؛ فقد أصبحت، على مرّ السنوات، كاشفًا لصلابة العدالة الموريتانية… وللبعد الدولي الذي بات بإمكانها بلوغه.
فإلى جانب النزاع مع المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط (سابقا) ، أفرز هذا الملف حدثًا غير مسبوق: اعتراف فرنسا، من خلال أعلى هيئة قضائية إدارية فيها، بحكم صادر عن المحاكم الموريتانية.
سابقة تاريخية تضع، للمرة الأولى بهذا المستوى، قرارًا موريتانيًا ضمن مسار التنفيذ القضائي الأوروبي.
شركة وثقت في القانون
بدأ كل شيء في 10 يناير 2013. فقد وقّعت شركة RIM Communication عقد تفويض مع المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط، يتعلق بإدارة فضاءات إعلانية وأدوات إعلام ترابي. وأُبرِم ملحقان لتحديد شروط الاستغلال.
لكن في 31 أغسطس 2014، قامت المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط بفسخ العقد من جانب واحد لأسباب اعتُبرت خارجة عن البنود التعاقدية.
وبدلًا من الاستسلام، اختارت الشركة طريق القانون.
11 يونيو 2015: المحكمة الإدارية في نواكشوط تقرّ بوجود فسخ تعسفي
10 يوليو 2018: محكمة الاستئناف تؤكد الحكم وتُدين المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط بدفع تعويض لـRIMCOM
4 فبراير 2020: المحكمة العليا ترفض طعن جهة نواكشوط، ليصبح الحكم نهائيًا
بلغت قيمة الإدانة 664,959,738 أوقية جديدة، أي أكثر من 17 مليون يورو.
عند هذه المرحلة، أصبح الملف بحد ذاته نموذجًا لافتًا: شركة موريتانية تنتصر على إدارة عمومية بعد مسار قضائي كامل.
وهو دليل عملي على أنه في موريتانيا، يمكن لمتعامل اقتصادي أن ينتصر على الدولة عندما يكون الحق إلى جانبه.
حين تُصادِق باريس على نواكشوط
المرحلة التالية منحت الملف بُعدًا جديدًا تمامًا.
وبسبب عدم تنفيذ الحكم داخليًا، لجأت RIMCOM إلى القضاء الفرنسي استنادًا إلى معاهدة التعاون القضائي الفرنسية-الموريتانية لسنة 1962. وسارت الإجراءات عبر مختلف درجات التقاضي في فرنسا إلى أن وصلت إلى مجلس الدولة.
في 10 أكتوبر 2025 (رقم 493788)، منح مجلس الدولة الفرنسي الصيغة التنفيذية (الإكسكواتور) للأحكام الموريتانية.
وقد أوضحت أعلى هيئة قضائية إدارية فرنسية في قرارها ما يلي:
«يتبيّن من التحقيق أن هذه القرارات لا تتضمن ما يخالف النظام العام الدولي ومبادئ القانون العام، ولا تتعارض مع أي حكم قضائي صادر في فرنسا.»
وخلصت إلى القول:
«يترتب على كل ما سبق وجوب الاستجابة لطلب منح الصيغة التنفيذية المقدم من شركة RIM Communication.»
وقضت، على وجه الخصوص، بما يلي:
اعتبار حكم 10 يوليو 2018 الصادر عن محكمة استئناف نواكشوط، وقرار 4 فبراير 2020 الصادر عن المحكمة العليا، قابلين للتنفيذ على التراب الفرنسي
إلزام جهة نواكشوط بدفع 3,000 يورو لشركة RIMCOM مقابل مصاريف التقاضي
تبليغ القرار إلى السلطات الفرنسية والموريتانية المعنية
ويكتسي هذا القرار طابعًا تاريخيًا من ناحيتين:
لأنه يمنح، بشكل استثنائي، الصيغة التنفيذية لأحكام إدارية موريتانية
ولأنه يعترف صراحةً بالقيمة القانونية للأحكام الصادرة عن القضاء الموريتاني
بمعنى آخر، اعتبر القضاء الفرنسي أن: الإجراءات احترمت حقوق الدفاع، ومبدأ المواجهة (التقاضي الحضوري) كان مكفولًا، والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة متحققة.
الخلاصة واضحة: القانون الصادر في نواكشوط يتمتع بالموثوقية القانونية التي تسمح بتنفيذه في أوروبا.
وبالنسبة لشركة وطنية، فإن ذلك يُعد تتويجًا كبيرًا: فقد انتصرت أمام قضاتها الطبيعيين، وأصبحت أحكامها قابلة للتنفيذ دوليًا.
اعتراف يشرّف موريتانيا
خلافًا لبعض القراءات المتشائمة، لا يُضعف هذا القرار السيادة الموريتانية؛ بل يرفع من شأنها.
فمنح الصيغة التنفيذية ليس عقوبة ضد دولة، بل شهادة ثقة في عدالتها. مجلس الدولة الفرنسي لم يُعد النظر في النزاع، بل صادق على جودة المنظومة القضائية الموريتانية.
وهكذا تُحدث قضية RIMCOM أثرًا غير متوقع، لكنه إيجابي بعمق: تصبح موريتانيا بلدًا يمكن تنفيذ قراراته الإدارية قانونيًا في أوروبا. وفي سياق دولي تُعد فيه السلامة القانونية شرطًا أساسيًا للاستثمار، يشكّل هذا الاعتراف إشارة قوية للفاعلين الاقتصاديين.
اختبار لدولة القانون الاقتصادية
لم يعد الرهان محصورًا في النزاع المالي. فالقضية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن يظل حكم قضائي، صدر وأُيّد واعترف به في الخارج، غير منفذ في بلده؟
فقد أكدت جميع المؤسسات الوطنية القرار: القضاء الإداري، المحكمة العليا، المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، وأخيرًا توجيه من ديوان رئيس الجمهورية يدعو إلى التنفيذ.
إذن، الحكم موجود. والاعتراف الدولي قائم. وتبقى المرحلة الحاسمة: التجسيد الإداري.
فرصة لتعزيز المصداقية الاقتصادية للبلد
يمكن النظر إلى قضية RIMCOM لا كمشكلة، بل كفرصة.
فمن خلال تنفيذ الحكم، ستبعث موريتانيا رسالة قوية:
إلى المستثمرين: العقود مصونة،
إلى الشركات الوطنية: العدالة ليست شكلية،
إلى الشركاء الدوليين: الحوكمة القانونية فعّالة.
ويمنح قرار مجلس الدولة الفرنسي البلاد واجهة استثنائية: عدالة قوية بما يكفي لعبور الحدود.
لم تعد RIMCOM مجرد شركة في نزاع مع جهة محلية.
لقد أصبحت حالة دراسية لحق موريتاني معترف به على أعلى مستوى أوروبي. الشركة انتصرت أمام قضاتها. وفرنسا صادقت على تلك الأحكام. ويبقى الآن تحويل هذا الانتصار القضائي الدولي إلى انتصار مؤسسي وطني.
فالرهان لم يعد فقط تعويض شركة؛ بل إثبات أن موريتانيا قادرة على مواءمة عدالتها وإدارتها وصورتها الاقتصادية.
وليس لدولة حديثة رأس مال أثمن من الثقة في قوة القانون.
_____________
الصدر:
https://chinguitel.mr/.gif)