الحكامة.. "اتَّاشْيَاخِيتْ" قبل نظريات الغرب

أحد, 17/05/2026 - 15:44

أرى أن من أعظم الإنجازات التي يمكن لأي دولة أن تحققها ليس مجرد تشييد الطرق والمؤسسات، بل بناء مجتمع متعلم، أصيل، وواثق من هويته الجامعة؛ مجتمع تذوب داخله الانتماءات الضيقة — من جهة، وقبيلة، وحاضنة اجتماعية — لصالح انتماء أوسع وأعمق للدولة والمجتمع والمشروع الحضاري المشترك. فعندما يُبنى شعور حقيقي بالانتماء الوطني والثقافي، تتراجع كثير من الأزمات الاجتماعية؛ لأن الإنسان يبدأ في رؤية نفسه جزءاً من مشروع جماعي، لا مجرد فرد داخل جماعة ضيقة تبحث عن مصالحها الخاصة أو الفئوية.

وعلينا أن نفهم أيضاً أن هذا المجتمع لم تكن تحكمه القوانين وحدهـا، بل كانت تؤطره منظومة روحية وأخلاقية عميقة، يتداخل فيها الدين الإسلامي مع الهوية الثقافية المحلية في تشكيل الإنسان وضبط سلوكه. فالإسلام، في بعده الحضاري، لم يكن مجرد شعائر، بل كان قوة تربوية صنعت الضمير الجمعي ورسخت قيم المسؤولية والعدل والانضباط، وهي أبعاد قد يصعب على الفكر الغربي إدراك عمق تأثيرها في بناء الإنسان داخل بيئتنا.

غير أن هذا الطموح يصطدم اليوم بواقع يبعث على القلق، حيث نجد أنفسنا أمام ناقوس خطر حقيقي يتمثل في "جيل الشوارع"، الذي أصبح جزء كبير منه يعيش فراغاً تربوياً وثقافياً خطيراً، وهو ما يؤكد أن انهيار المجتمعات لا يبدأ دائماً من السياسة، بل يبدأ من ضياع الإنسان نفسه.

ومن هذا المنطلق، قدمتُ سابقاً تصوراً استراتيجياً تحت عنوان: "الأمن التعليمي، والأمن الغذائي، والأمن الحضري"، باعتبارها أدوات لاحتواء الظواهر الاجتماعية الخطيرة ودمج الفئات الهشة، وتحويل ما قد يصبح عنصر فوضى إلى قوة منتجة، بما في ذلك فكرة "الجيش الغذائي" كمنظومة اجتماعية وإنتاجية تستوعب الشباب المنقطع عن التعليم، وتدمجهم عبر العمل الزراعي والتكوين والانضباط؛ انطلاقاً من أن الرهان الحقيقي ليس فقط بناء دولة حديثة، بل بناء إنسان قادر على حمل معنى الدولة.

إن المشكلة في عالمنا اليوم ليست دائماً نقص القوانين، بل غياب التصور الواضح للإنسان الذي نريد صناعته. وهنا أشعر بالحيرة حين يُفسر بعض المثقفين "الحكامة" عبر نظريات مستوردة، وكأن مجتمعاتنا لم تُنتج يوماً فهمها الخاص للسلطة، بينما نجد جوهر الفكر السياسي الحديث حاضراً، بطريقة أبسط وأصدق، في الثقافة الحسانية التي اختزلت التجربة الإنسانية والسياسية في قيم عميقة وترتيب أخلاقي دقيق:

بُو صَوْمْ  (جودة البيئة):

تبدأ سلامة القيادة من جودة القوم وصلاح البيئة الاجتماعية، وهو ما عناه المجتمع  بقوله:
"بُو صَوْمْ عدُّو من الْگَوْمْ وَللّ مَاعْلِيهْ اللّوْمْ"

مشيراً إلى أن فساد النخبة هو نتيجة لضعف التربية وضياع منظومة القيم المجتمعية.

الدَّرْجَه (الأهلية السلوكية):

فمفهوم "الدَّرْجَه" ليس رفعة شكلية، بل مقام أخلاقي له شروطه وهيبته التي تُكتسب بالسلوك، كما وصفها الأمير اعل ولد أحمد احمود حين قال:

الدَّرْجَه مَخْلُگَتْ رفَّ ..
 يغيْر الدَّرْجَه گرْبتْ فِيلْ 
مَا يگْدرْ حَدْ إحَشْلَفْهَا ..
 ؤُ حَدْ افْلَتْهَا يُوغدْ ف السَّيْلْ

فالدرجة مقام ثقيل لا يثبت فيه إلا من يملك الأهلية أمام "سيل" الأزمات.

اتَّاشْيَاخِيتْ :

وهي مدرسة لصناعة نخبة الشأن العام، قائمة على الحكمة وضبط التوازنات، وقد لخّصها الأجداد في مقولة:

«اشْيَاخَه دَرَّاعةْ شَوْكْ»

كأبلغ تعريف للحكم باعتباره مسؤولية يتحمل صاحبها تعب الناس وخصوماتهم وضغط الحياة.

الإمارة (القيادة الاستراتيجية):

وهي النموذج الأسمى للنخبة التي تُصنع بالتربية والثقافة. وقد لخّص الشاعر الكبير ولد هدار هذا المفهوم في "الطَّلْعَة" الشهيرة، حين ربط الإمارة بالعدل والحلم والصبر والكرم، فقال:

بالعَدَالة و البَطَالَة 
و الذَّكَاوَة وَ الحَلاَوَة
دَوَّخْتْ اجْمِيعْ الرَّجَّالَة.....

ولتحويل هذه الفلسفة من "تنظير ثقافي" إلى "واقع سيادي"، يتطلب الأمر هندسة رمزية ومؤسسية تحول الموروث الأخلاقي من مناقب فردية إلى منظومة سيادية ومعايير استحقاق وطنية. وتتجسد هذه الرؤية عبر إنشاء "المجلس الوطني للأمن وتأهيل القيادة"؛ وهو "فلتر سيادي « Filtre stratégique souverain » "يتبع لرئاسة الجمهورية، يجمع بين قادة المؤسسات الأمنية، وحكماء المجتمع، وخبراء الإدارة، ليتولى التزكية الأخلاقية للمناصب السامية، والإشراف على "مسار تأهيل القادة" القائم على ثلاث مراحل: الفتوة، والتدبير، والسيادة.

وينبثق عن هذا المجلس نظام "أوسمة الاستحقاق الوطني"، باعتبارها رتباً مدنية وأخلاقية تُمنح وفق معايير صارمة:

وسام "بُو صَوْمْ ": للنزاهة الاجتماعية وصلاح البيئة المحلية.
وسام "الدَّرْجَه": كحصانة أخلاقية لمن أثبت استقامة اليد وثبات المبدأ في إدارة الملفات المعقدة.
وسام "اتَّاشْيَاخِيت": للحكمة، وإصلاح الشأن العام، والقدرة على فض النزاعات.
وسام "الإمارة": وهو أرفع الأوسمة، ويُمنح للقيادات الاستراتيجية التي تترك بصمة وطنية ملموسة، 

إن هذه الأوسمة ليست للزينة، بل لها أثر قانوني ووظيفي، بحيث تكون للحاصلين عليها الأولوية في التعيينات القيادية والحساسة، ويُنظر إلى الحاصلين على وسامي "الدَّرْجَه" و"اتَّاشْيَاخِيتْ" و"الإمارة" بوصفهم مرجعيات وطنية داخل مجلس استشاري سيادي او برلماني...

إن هذا الانتقال يضمن إدارة مؤسسات الدولة بـ "عقل تقني" يسكنه "ضمير أصيل"، ويحول الثقافة من تراث محفوظ إلى آليات تنفيذية تحمي الدولة من تكرار النماذج المستوردة التي تفتقر إلى الروح والجذور.

ولا يعني هذا الطرح استبدال مؤسسات الدولة الحديثة، بل بناء مؤسسات عصرية بروح محلية، تستلهم مفاهيم مثل "الْحلَّه" و"الفتوة" كرموز للتشاور وتأهيل القيادات. فالهدف ليس العودة إلى الماضي، بل بناء دولة حديثة تشبه مجتمعها، وترسم فلسفة للحياة تجمع بين الأصالة والحداثة.

إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى إصلاح الإدارة، بل إلى إعادة بناء الإنسان؛ فنحن لا نعاني من أزمة إدارة فحسب، بل من غياب تصور واضح للمجتمع الذي نريد بناءه. فالدول قد تُبنى بالقوانين، لكن المجتمعات المتميزة تُبنى بالقيم، وبتحويل الهوية إلى مشروع سيادي للمستقبل.

 

 

________

محمد الأمين لحويج