
حين تُسيَّس الخصوصية، لا يعود الخلاف مجرد رأي عابر أو تعبير لغوي، بل يصبح اختبارًا لحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه المجتمع. ومن هذا المنطلق، تُكتب هذه السطور كموقف رأي، لا كردّ انفعالي، فرضته جملة نُشرت على أنها وردت ضمن كلمة لوزيرة سابقة، هي السيدة مهلة منت أحمد. هذه الجملة أثارت قلقًا حول قدرة الخطاب السياسي على التغلغل في أكثر المساحات الإنسانية الخاصة، وأظهرت أن الإشكال لا يكمن في الصياغة وحدها، بل في ما تتركه من تداعيات على حريات الأفراد وحياتهم الشخصية.
السيدة مهلة، بصرف النظر عن حجم دائرة تأثيرك، تظلّين شخصية عامة وصوتًا له وزن في الفضاء السياسي. ومن يشغل هذا الموقع لا تُقاس كلماته بصدق النوايا فقط، بل بتأثيرها ونتائجها، وبما تفتحه من فرص أو تغلقه من إمكانات. لقد كنا، وربما لا نزال، نؤمن بقدرتك على تقديم خطاب وممارسة سياسية رشيدة، قائمة على الرؤية والإمكانات، لا على اختزال الواقع أو إطلاق مقاربات سطحية تجاه المجتمع.
ومن الوضوح الذي لا يحتمل التأويل، فإن هذا الاعتراض لا يمسّ حرية الأفراد في اختياراتهم الشخصية، ولا حقهم المطلق في اختيار شركاء الحياة، مهما اختلفت ألوانهم أو خلفياتهم. فهذا مجال خاص جدًا، لا يجوز إخضاعه للوصاية أو تحويله إلى أداة في الخطاب السياسي أو للاستثمار الرمزي.
غير أن الدعوة إلى “التزاوج بين الشرائح”، حين تُطرح من موقع سياسي، تُعد تجاوزًا للحدود الفردية، وتدخّلًا في أعمق المساحات الخاصة، ومحاولة لإقحام الاختيارات الشخصية في المجال العام، وتسييس ما يجب أن يبقى خارج لعبة الشعارات والمزايدات.
إن التحديات التي تواجه البناء والتلاحم الوطني أعمق وأكبر من أن تُختزل في العلاقات الشخصية. وهي نتاج تراكمات فكرية وسياسية خلقتها النخبة وبعض مثقفي البلد، عبر خطاب انتقائي أحيانًا، وإقصائي أحيانًا أخرى، وسياسات ركّزت على الأعراض بدل معالجة الجذور.
الدور الحقيقي للنخب، ومن تقلّد المسؤولية، لا يكمن في إعادة هندسة المجتمع وفق تصورات جاهزة، ولا في فرض حلول من خارج البنية الاجتماعية، بل في تقليص الفجوات السياسية، لا الإنسانية أو الاجتماعية، لأن هذه الأخيرة... على عكس ما يُروَّج بالكاد تتوفر بين الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
فاللحمة الوطنية لا تُفرض ولا تُدار بعقلية الحملات، ولا تُبنى بالتدخل في اختيارات الآخرين. إنها تتحقق عبر شراكة حقيقية في البناء الاقتصادي والفكري الراقي، الذي يحترم خصوصيات الناس ومعتقداتهم، ويصون اختلافاتهم، ولا يسعى لفرض أفكار أو مشاريع تُنسج في غرف مغلقة، بعيدة عن نبض المجتمع وقيمه الحقيقية.
________
أم كلثوم محمد المصطفى
https://chinguitel.mr/.gif)