غرباء تحت سقف واحد.. مأساة العائلة في زمن الإنترنت.

ثلاثاء, 03/02/2026 - 22:45

لم تكن "اجماعه" في الموروث الشعبي الموريتاني مجرد جلسة عابرة لاحتساء الشاي، بل كانت "لقاءا عائلياً" مصغراً، ومنصة لبث القيم وتناقل الأدب الشعبي. فبين رغوة الكأس الثالثة كشرط من شروط "أتاي"  الثلاثة  (اجماعه و أجر  و اجمر)  وعبق البخور، كانت الأسر تجتمع في سمر أدبي أو "مغيل" عائلي، تتبادل فيه أطراف الحديث، وتتبارى في مساجلات "لگطاع" والألغاز الشعبية، و "ازرك المحظرى" في جوٍ يفيض بالدفء والتواصل الإنساني الحي.

انكسار "كؤووس الشاي " أمام الشاشات 

أما اليوم، ومع الغزو الكاسح لشبكة الإنترنت، فقد تبدلت ملامح الخيمة والبيت الموريتاني. و تحولت "اجماعه" الواقعية إلى "جماعات افتراضية" مشتتة؛ فبينما تجلس العائلة في مكان واحد، يرحل كل فرد منها خلف شاشة هاتفه، مغرداً في وادٍ بعيد عن جليسه. لقد أصبح الصمت هو سيد الموقف، ولا يقطعه إلا رنين الإشعارات أو ضحكة عابرة لرسالة وصلت من خلف الحدود

شهادة من جيل البركة

 بمرارة تروي مريم، وهي سيدة سبعينية عاصرت زمن "النيلة" و " الخلخال" و "وأكافه "، تفاصيل هذا التحول قائلة: "كنا نصل الرحم بقلوبنا قبل أقدامنا، نجتمع على 'كؤوس' الشاي في جو يملؤه الضحك الصادق والحكايات التي لا تنتهي. كان الشاي يجمعنا، أما اليوم فالهواتف فرقتنا؛ أصبحنا تحت سقف واحد لكننا غرباء الكل مشغول بـ 'جماعته' في الهاتف، وضاعت هيبة اللقاء وحلاوة الحديث

   خاتمة

في الختام، يبدو أننا نعيش صراعاً خفياً بين أصالة الماضي التي كانت تقتات على "الكلمة" و "اللقاء"، وبين حداثة رقمية توفر لنا كل شيء إلا الشعور الحقيقي بالألفة. إن انكسار "الكؤوس" وغياب سحر "اجماعه" ليس مجرد تغير في العادات، بل هو إنذار بفقدان هوية اجتماعية كانت هي صمام الأمان للتماسك الأسري في بلاد المنارة والرباط.

إننا اليوم، وأمام هذا الانقطاع خلف الشاشات، مطالبون بإعادة الاعتبار لجلساتنا الواقعية، ليس رفضاً للتكنولوجيا، بل حمايةً لما تبقى من "أدبنا" و "قيمنا" الموريتانية الأصيلة. فهل يمكننا أن نضع هواتفنا جانباً لبرهة، ونعيد لـ " للبراد التالي  هيبته" وللحديث العائلي نكهته التي لا تعوضها آلاف الرسائل الافتراضية؟  

 إعداد : بتار يعقوب الشرفة