لماذا أعارض المأمورية الثالثة؟

اثنين, 07/09/2026 - 23:01

قضيتي من المأمورية الثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني
ليست قضيتي مع شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولا هي خصومة سياسية مع رجل تولّى رئاسة البلاد واختار له الشعب الموريتاني في الانتخابات مسارًا سياسيًا معروفًا. قضيتي، قبل كل شيء، هي مع مبدأ المأمورية الثالثة، ومع فكرة أن تتحول الاستثناءات السياسية إلى قاعدة، وأن يصبح احترام النصوص الدستورية خاضعًا للظروف والمصالح والضغوط السياسية.
إن الحديث عن المأمورية الثالثة ليس حديثًا عابرًا، ولا قضية تخص الرئيس وحده، وإنما هو نقاش يتعلق بمستقبل الدولة الموريتانية، وبشكل النظام السياسي الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة.
لماذا أعارض المأمورية الثالثة؟
أعارضها لأنني أؤمن بأن الدولة أقوى من الأشخاص، وأن الدساتير وُجدت لتنظيم السلطة وحمايتها من الشخصنة، لا لتكون نصوصًا قابلة للتعديل كلما أرادت السلطة السياسية الاستمرار.
الرئيس، مهما كان اسمه، ومهما كانت إنجازاته، ومهما بلغت شعبيته، يبقى رئيسًا لفترة محددة وفق قواعد محددة. وعندما تنتهي المدة الدستورية، يجب أن تكون هناك قدرة حقيقية على الانتقال السلمي للسلطة، لأن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرة الرئيس على الحكم، وإنما تظهر أيضًا في قدرته على احترام حدود السلطة التي منحها له الشعب.
وأنا هنا لا أقول إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يحقق شيئًا، ولا أن كل سياساته كانت خاطئة. يمكن أن تكون للرجل إنجازات، ويمكن أن تكون له أخطاء، ويمكن للمواطن أن يختلف معه أو يتفق معه.
لكن الإنجازات لا تمنح أحدًا حقًا إضافيًا في السلطة خارج الإطار الدستوري.
موريتانيا ليست مرتبطة بشخص واحد
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها أن نربط مستقبل البلاد بشخص واحد، مهما كان هذا الشخص.
الدولة التي لا تستطيع أن تستمر إلا ببقاء رئيس معين في الحكم، هي دولة لم تبنِ مؤسساتها بالشكل المطلوب.
أما الدولة القوية فهي التي يستطيع فيها الرئيس أن يغادر، ويأتي بعده رئيس آخر، وتستمر الإدارة، وتبقى المؤسسات، ويظل الجيش والأمن والقضاء والإدارة والاقتصاد والدولة بشكل عام فوق الأشخاص.
لقد آن الأوان لأن نؤمن في موريتانيا بأن الرئاسة ليست ملكية شخصية، وليست وظيفة أبدية، وليست امتيازًا لعائلة أو قبيلة أو مجموعة أو تيار سياسي.
إنها مسؤولية مؤقتة يمنحها الشعب، ويجب أن تنتهي عندما تنتهي مدتها القانونية.
ماذا نخشى من المأمورية الثالثة؟
الخوف ليس فقط من الرئيس الحالي، وإنما من السابقة التي يمكن أن تتركها المأمورية الثالثة.
فإذا فتحنا الباب أمام رئيس ليعدل قواعد المأموريات حتى يستمر في السلطة، فماذا سنقول للرئيس الذي سيأتي بعده؟
وإذا أصبح التعديل الدستوري مرتبطًا بشعبية الرئيس أو بقوة أنصاره، فما الذي سيمنع أي رئيس مستقبلاً من القول: إن الظروف استثنائية، وإن البلاد تحتاج إلى بقائه، وإن مشروعه لم يكتمل، وإن الشعب يريد منه الاستمرار؟
وهكذا تبدأ القاعدة بالانهيار.
قد تبدأ القضية بشخص نحترمه، ثم تتحول بعد سنوات إلى سابقة يستغلها شخص آخر بطريقة مختلفة.
ولهذا فإن الدفاع عن الدستور اليوم ليس دفاعًا عن المعارضة وحدها، ولا عن الأغلبية، وإنما هو دفاع عن الجميع.
التداول السلمي للسلطة ليس هزيمة
هناك من يتعامل مع مغادرة الرئيس للسلطة وكأنها هزيمة سياسية.
وأنا أرى العكس تمامًا.
إن أقوى لحظة يمكن أن يعيشها الرئيس هي لحظة تسليمه السلطة بطريقة سلمية ودستورية، وهو مطمئن إلى أن الدولة ستستمر من بعده.
الرئيس الذي يغادر السلطة في موعدها لا يخسر التاريخ، بل قد يكسب احترامه.
أما الرؤساء الذين يحاولون البقاء بأي ثمن، فإنهم يضعون أنفسهم أمام اختبار صعب، ويجعلون أسماءهم مرتبطة دائمًا بالصراع حول السلطة بدلًا من الإنجازات التي حققوها.
لا نريد أزمة دستورية جديدة
موريتانيا بحاجة اليوم إلى الاستقرار، والاستقرار الحقيقي لا يعني إسكات النقاش السياسي، ولا يعني منع الناس من التعبير عن آرائهم.
الاستقرار الحقيقي هو أن يعرف الجميع قواعد اللعبة السياسية، وأن تكون واضحة للجميع، وأن يكون الدستور فوق الأشخاص والأحزاب والتيارات.
نحن لا نحتاج إلى أزمة دستورية جديدة، ولا إلى انقسام اجتماعي وسياسي بسبب الرئاسة.
نحتاج إلى دولة تحكمها المؤسسات، وإلى انتقال سياسي هادئ، وإلى انتخابات تنافسية شفافة، وإلى رئيس جديد يستطيع أن يبدأ مرحلة جديدة دون أن تكون مهمته الأولى البحث عن تعديل جديد يسمح له بالبقاء.
رسالتي إلى أنصار المأمورية الثالثة
أقول لإخوتي الذين يرون أن بقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في السلطة ضروري لاستكمال مشروعه:
قد نختلف معكم، لكننا نحترم حقكم في التعبير عن موقفكم.
لكن اسألوا أنفسكم سؤالًا بسيطًا:
هل نريد دولة قوية بالقواعد، أم دولة قوية بالأشخاص؟
إذا كان مشروع الرئيس جيدًا، فلماذا لا يمكن لمن يأتي بعده أن يستمر فيه؟
وإذا كانت الإنجازات ملكًا للوطن، فلماذا نربطها ببقاء شخص واحد؟
الدولة التي تبني مشروعها على المؤسسات تستطيع أن تستمر مهما تغير الرئيس.
أما الدولة التي تربط مشاريعها بشخص الرئيس، فإنها تبدأ من جديد مع كل تغيير.
المعارضة للمأمورية الثالثة ليست معارضة لموريتانيا
من المهم جدًا أن نفرق بين معارضة فكرة سياسية وبين معارضة الوطن.
من يعارض المأمورية الثالثة ليس بالضرورة ضد الرئيس، ومن يرفض تمديد الحكم ليس بالضرورة ضد الدولة، ومن يدعو إلى التداول السلمي للسلطة ليس بالضرورة يريد الفوضى.
يمكن للإنسان أن يحترم الرئيس ويختلف معه.
ويمكنه أن يعترف ببعض إنجازاته ويعارض بعض سياساته.
ويمكنه أن يتمنى النجاح للدولة وهو في صف المعارضة.
هذه هي السياسة التي نحتاجها: اختلاف بلا كراهية، ومعارضة بلا تخوين، ونقد بلا تجريح، وحوار بلا تهديد.
ماذا نريد بعد المأمورية الثانية؟
نريد أن تبدأ موريتانيا مرحلة جديدة.
نريد انتخابات تحظى بثقة المواطنين.
نريد رئيسًا جديدًا يأتي ببرنامج جديد، ويقدم نفسه للشعب، ويطلب ثقته.
نريد أن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص.
نريد إدارة محايدة، وقضاءً مستقلًا، ومجالس منتخبة تقوم بدورها، وبرلمانًا يمارس رقابته، وإعلامًا يستطيع أن ينتقد دون خوف.
نريد دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه لا تتغير بتغير الرئيس، وأن مستقبله لا يرتبط باسم شخص واحد.
كلمة أخيرة
قد يختلف معي البعض، وهذا حقهم.
وقد يراني البعض متشددًا في موقفي، وهذا أيضًا حقهم.
لكن موقفي واضح:
أنا ضد المأمورية الثالثة، ليس لأنني أكره الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وإنما لأنني أؤمن بأن موريتانيا أكبر من أي رئيس، وأبقى من أي مأمورية، وأقوى من أي مشروع شخصي.
نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة، لا إلى البحث عن طرق للالتفاف عليها.
فالسلطة تتغير، والرؤساء يرحلون، والحكومات تتبدل، لكن الوطن يبقى.
ولهذا، فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لموريتانيا ليس الدفاع عن بقاء الأشخاص، وإنما الدفاع عن المؤسسات والدستور ودولة القانون.
وإذا أردنا أن نترك للأجيال القادمة موريتانيا أكثر استقرارًا وقوة، فعلينا أن نعلمها منذ اليوم أن الدولة لا تُبنى على الأشخاص، وإنما تُبنى على القواعد والمؤسسات.
هذه هي قضيتي من المأمورية الثالثة.

________

المصطفى محمد سليمان