
أعتقد أن الإجابة هذه المرة لا تُستخلص من عدد الحاضرين، ولا من حجم التظاهرات، ولا حتى من حرارة الشعارات؛ وإنما من ذلك التفصيل الصغير الذي قد يمر على البعض عابرًا، بينما يعرف أهل اترارزة كيف يقرأونه.
اترارزة لم تكن يومًا بحاجة إلى من يذكّرها بهويتها السياسية؛ فهي ولاية عرفت كيف تعبر عن مواقفها، وكيف تحضر في المشهد الوطني، وكيف تجعل من حضورها السياسي امتدادًا لحضورها الاجتماعي والثقافي والتاريخي.
ولذلك لم يكن جديدًا أن تخرج اليوم معلنة دعمها لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني واصطفافها خلف نهجه، في مشهد كان فيه حزب الإنصاف حاضرًا بأطره وخطاباته وتنظيمه، وبدا واضحًا أن الحزب أراد لهذه المحطة أن تكون مختلفة.
والاختلاف هذه المرة كان في الرجل الذي حمل الرسالة.
فقد كان على رأس البعثة معالي الوزير والسفير والمدير العام الحالي لمعادن موريتانيا، السيد با عثمان.
رجل من أهل اترارزة، لكنه ليس ابن جهة بالمعنى الضيق؛ بل ابن موريتانيا من المحيط إلى فصالة، يحمل معه حيثما ذهب قدرة نادرة على أن يكون ابن المكان دون أن ينغلق في حدوده.
وهنا تكمن قيمة الاختيار.
فعندما وصل إلى المذرذرة، لم يتعامل مع المكان بوصفه محطة في برنامج سياسي، ولم يكتفِ بخطاب عام يمكن أن يقال في أي ولاية وأمام أي جمهور.
بل توقف عند التاكلالت وأبير التورس، وقالها بوضوح:
لن ننسى التاكلالت وأبير التورس.
وقد يقول قائل : وما الذي في ذلك؟
أقول: كل شيء.
لأن السياسي الذي يعرف كيف يخاطب الجمهور لا يكتفي بأن يتحدث عن القضايا الكبرى ، بل يعرف أن للناس ذاكرة، وللأمكنة مكانة، وللأسماء دلالات، وأن ذكر اسم المكان في اللحظة المناسبة قد يكون أبلغ من صفحات من الخطاب.
لقد منح الرجل هاتين المنطقتين، وأهلهما، حقهما في أن يُذكرا، وأن يُرى وجودهما، وأن يُستحضر تاريخهما ومكانتهما أمام محفل رسمي وجماهيري.
وهذا ليس تفصيلًا بروتوكوليًا.
إنه فهم عميق للنفس الاجتماعية والسياسية للمجتمع.
ثم جاء الأداء ليكمل الفكرة.
بلسان فصيح، وعربية مهذبة، وحسانية راقية لفظًا وتعبيرًا، تحدث الرجل بلغة تعرف كيف تحافظ على وقار المقام دون أن تفقد دفء المخاطبة.
وهنا تحديدًا ظهر الفرق بين من يلقي خطابًا ومن يصنع تواصلًا.
الأول يتحدث أمام الناس.
أما الثاني فيجعل الناس يشعرون أن الحديث لهم.
وهذا ما فعله با عثمان في تلك المحطة.
لقد عرف كيف يجمع بين السياسي ابن الدولة، والرجل ابن المكان؛ بين لغة المنصب ولغة المجتمع؛ بين الرسالة الحزبية والاعتراف بخصوصية الناس؛ وبين الحضور الرسمي والاقتراب الإنساني.
وهذه، في تقديري، ليست قدرة عابرة.
إنها تمكّن.
والتمكن الحقيقي للسياسي لا يظهر عندما يتحدث عن نفسه، وإنما عندما يستطيع أن يجعل الجمهور يرى نفسه في خطابه.
ومن هنا يمكن فهم نجاح هذه البعثة.
فحزب الإنصاف لم يبعث إلى اترارزة رجلًا يحمل خطابًا فحسب، وإنما بعث رجلًا يعرف كيف يحمل الخطاب إلى الناس.
والفرق بين الأمرين كبير.
لقد استطاع با عثمان أن يحول الزيارة من نشاط حزبي إلى مساحة للتواصل، ومن خطاب سياسي إلى رسالة تقدير، ومن حضور رسمي إلى حضور يشعر معه الناس بأن ذاكرتهم ومكانتهم ليستا خارج حسابات من يخاطبهم.
وهنا يكون الاختيار قد تجاوز حدود التمثيل السياسي إلى حسن قراءة المكان واختيار من يستطيع مخاطبته بلغته وذاكرته وخصوصيته.
لذلك، نعم...
أرى أن حزب الإنصاف كان موفقًا في اختيار معالي الوزير با عثمان لهذه المهمة.
وهنيئًا للرجل بهذا الحضور الذي أثبت فيه أن الكفاءة حين تجتمع مع المعرفة بالمجتمع، والتمكن من اللغة، وحسن قراءة الجمهور، تتحول إلى قوة تأثير لا تحتاج إلى ضجيج.
وهنيئًا لحزب الإنصاف بأطره المتمكنين والمتميزين، وعلى رأسهم معالي الوزير با عثمان.
أما اترارزة، فتهنئة تليق بها وبأهلها جميعًا، دون استثناء.
لكنني، قبل أن أغادر هذه المحطة، أستأذن القارئ في وقفة قصيرة عند أبير التورس والتاكلالت.
فبعض الأمكنة لا يكفي أن تمر بها في الطريق...
وبعض الأسماء لا ينبغي أن تظل حبيسة الذاكرة.
فهذه مرابع أهل الفضل، ولأهل الفضل فيها خصائص.
ولعل أجمل ما فعله با عثمان في تلك اللحظة أنه لم يكتفِ بأن يعرف هذه الحقيقة...
بل عرف متى يقولها، وكيف يقولها، وأمام من يقولها.
وهنا تحديدًا يكمن التمكّن المتفرد.
__________
ام كلثوم محمد المصطفى / لمرابط
.jpeg)
.gif)
