محمد ولد الشيخ الغزواني.. حين تخاطب الدولة شعبها

سبت, 25/07/2026 - 15:19

في مسيرة الأمم، تظل اللحظات التي يتوجه فيها رئيس الدولة إلى مواطنيه محطات وطنية وسياسية فارقة، لأنها لا تقتصر على عرض حصيلة العمل، بل تؤسس لحوار مباشر يعزز الثقة، ويكرس قيم الشفافية والمصارحة والمسؤولية. ومن هذا المنطلق، جاء المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ليعكس نهجاً راسخاً في إدارة الشأن العام، يقوم على الانفتاح، والوضوح، واحترام الرأي العام، وليقدم رؤية شاملة لما تحقق من إنجازات، وما واجهته البلاد من تحديات، وما تستشرفه من آفاق للمستقبل.

 

لقد تولى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مسؤولية قيادة البلاد في ظرف دولي وإقليمي بالغ التعقيد، تزامن مع تداعيات جائحة كوفيد-19، والأزمة الاقتصادية العالمية التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن ما شهدته منطقة الساحل من اضطرابات أمنية، وانقلابات عسكرية، وتصاعد خطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية. ورغم هذه الظروف الاستثنائية، استطاعت موريتانيا أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وأن تعزز حضورها الإقليمي والدولي، بفضل سياسة متوازنة، ورؤية حكيمة، ونهج قائم على الاعتدال والحوار.

 

وخلال المؤتمر، قدم فخامة رئيس الجمهورية، بالأرقام والوقائع، حصيلة مرحلة اتسمت بتنفيذ إصلاحات استراتيجية شملت مختلف القطاعات الحيوية، من التعليم والصحة والطاقة والمياه والزراعة والتنمية الحيوانية والصيد والبنية التحتية، إلى جانب البرامج الاجتماعية والتنموية المرتبطة بتعهداته، مؤكداً أن صعوبة المرحلة لم تكن سبباً في تعطيل الإصلاح، بل دافعاً لمضاعفة الجهود، ومواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى، وتحقيق التنمية المنشودة.

 

ولم يكن نجاح المؤتمر في مضمونه فحسب، بل أيضاً في أسلوب إدارته، حيث أظهر فخامة الرئيس تمكنًا لافتًا من مختلف الملفات، وأجاب عن الأسئلة بكل وضوح وثقة وهدوء، مستنداً إلى الوقائع والأرقام، وبمنهجية اتسمت بالشمول والدقة، حتى بدا المؤتمر وكأنه درس وطني مفتوح في الشأن العام، يشرح للمواطن ما تحقق، ويضعه في صورة ما هو قيد الإنجاز، ويطلعه على الرؤية المستقبلية للدولة.

 

ومن بين أبرز المحطات التي استأثرت باهتمام الرأي العام، الردود التي قدمها فخامة رئيس الجمهورية بشأن ملف الإرث الإنساني، حيث اتسمت بالصراحة والوضوح، وعكست إرادة سياسية جادة لمعالجة هذا الملف بما يحقق الإنصاف ويعزز المصالحة الوطنية. وقد أكد فخامته أن الدولة تنظر إلى هذا الملف باعتباره قضية وطنية تستوجب معالجة مسؤولة وعادلة، بما يضمن صون الحقوق، وترسيخ السلم الأهلي، وإغلاق هذا الملف بصورة نهائية، على أسس من العدالة والإنصاف، بما يخدم وحدة المجتمع ويعزز تماسكه.

 

كما شكل تناول فخامته لملف إنتاج الغاز إحدى أبرز محطات المؤتمر، إذ قدم لأول مرة شرحاً واضحاً ومفصلاً للجوانب الفنية والمالية لهذا المشروع الاستراتيجي، موضحاً طبيعة الاستثمارات، وآليات تقاسم العائدات، والمردودية الاقتصادية المنتظرة، وانعكاساتها على المالية العامة والاقتصاد الوطني. وقد جاءت هذه الإحاطة لتبدد كثيراً من اللبس الذي أحاط بهذا الملف، ولتجيب عن تساؤلات ظل المواطنون يطرحونها منذ الإعلان عن بدء إنتاج الغاز، في خطوة عكست حرص رئيس الجمهورية على ترسيخ مبدأ الشفافية، وإشراك الرأي العام في فهم القضايا الاقتصادية الكبرى التي تمس حاضر البلاد ومستقبلها.

 

وكعادته، ظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ هادئاً في حضوره، واثقاً في منطقه، صادقاً في حديثه، مثقفاً في تحليله، متواضعاً في أسلوبه، محافظاً على لغته الدبلوماسية الراقية وقيمه الأخلاقية والإنسانية المعهودة. ولم تفقده الأسئلة المباشرة، ولا تلك التي تناولت بعض أفراد محيطه، شيئاً من اتزانه أو حكمته، بل تعامل معها بروح المسؤولية، وبما يليق برئيس يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

 

كما أشاد فخامته بأداء الحكومة، مثمناً ما تحقق من إنجازات، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من العمل، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، وتعزيز المتابعة والتقييم، حتى تتحول البرامج والتعهدات إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

 

لقد حمل هذا المؤتمر رسائل واضحة إلى الداخل والخارج. ففي الداخل، أكد أن الدولة ماضية بثبات في تنفيذ برامجها الإصلاحية والتنموية، وأن التحديات، مهما بلغت، لن تثنيها عن مواصلة البناء وتحقيق تطلعات المواطنين. وفي الخارج، بعث برسالة مفادها أن موريتانيا أصبحت شريكاً يحظى بالاحترام والثقة، بفضل سياستها المتزنة، ودبلوماسيتها الهادئة، ومكانتها المتقدمة في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية.

 

ولعل أهم ما ميز هذا المؤتمر أنه لم يكن مجرد مناسبة لاستعراض حصيلة العمل الحكومي، بل كان تجسيداً لفلسفة في الحكم تقوم على الصراحة، والوضوح، والالتزام، واحترام وعي المواطن، والإيمان بأن بناء الدول لا يتحقق إلا بالثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وبالقدرة على مواجهة التحديات برؤية واضحة وإرادة ثابتة.

 

وفي الختام، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني شكل حدثاً وطنياً بامتياز، أكد من خلاله أن موريتانيا، رغم ما واجهته من تحديات عالمية وإقليمية، استطاعت أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وأن تمضي بثبات في مسار الإصلاح والتنمية. كما عكس المؤتمر صورة قيادة تؤمن بالحوار، وتستند إلى لغة الحقائق، وتضع مصلحة الوطن والمواطن في صدارة أولوياتها، بما يعزز الثقة في المستقبل، ويرسخ مكانة موريتانيا كدولة مستقرة، وطموحة، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص، ومواصلة مسيرة البناء والتنمية بثقة واقتدار

________

محمد ولد كربالي

عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف