حين تستعيد الدولة أفقها الاستراتيجي: قراءة في خطاب الوزير الأول أمام البرلمان

سبت, 07/11/2026 - 18:21

ليس من الإنصاف السياسي أن نتعامل مع الخطاب الحكومي بمنطق الاصطفاف المسبق ، كما ليس من الموضوعية أن نحجب عن الخطاب ما قد ينطوي عليه من مؤشرات إيجابية لمجرد اختلافنا مع بعض السياسات أو تحفظنا على بعض الممارسات.

فالقراءة السياسية الرصينة تقتضي التمييز بين الموقف من السلطة ، والموقف من الأفكار والتوجهات التي تعلنها ، وبين واجب النقد الذي تفرضه الاستقلالية السياسية ، وواجب التثمين الذي تقتضيه الموضوعية حين تتقدم الخطابات باتجاه قضايا تستحق الاهتمام.

ومن هذا المنطلق ، أجد في خطاب معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي أمام الجمعية الوطنية مناسبة تستحق التوقف والتأمل ، ليس باعتباره مجرد عرض لحصيلة حكومية أو استعراض لمجموعة من الأرقام والمؤشرات ، وإنما باعتباره محاولة لتقديم تصور أوسع لأولويات الدولة ، واستشراف بعض ملامح المرحلة المقبلة.

أول ما يستوقف المتابع هو الانتقال ( ولو على مستوى الخطاب ) من منطق التدبير اليومي إلى استحضار الأفق الاستراتيجي للدولة.

فالإعلان عن التوجه نحو إعداد رؤية وطنية لموريتانيا في أفق 2060 يحمل دلالة تتجاوز البعد الزمني للمشروع ؛ إذ يعكس إدراكاً متزايداً بأن الدول لا تُبنى بمنطق المأموريات المتعاقبة وحده ، وأن التنمية الحقيقية تحتاج إلى استمرارية في الرؤية ، وتراكم في الخبرة ، وتكامل في السياسات ، بعيداً عن نزعة البدء من الصفر مع كل تحول حكومي.

إن استحضار موريتانيا بعد قرن من الاستقلال يقتضي منا جميعاً أن نرفع مستوى التفكير في مستقبل الدولة ، وأن نتحرر من ضيق الأفق الذي تختزل فيه السياسة أحياناً في الحسابات الظرفية والمكاسب الآنية.

ولعل الأهم في هذا التوجه هو أن تتحول الرؤية المرتقبة إلى عقد وطني جامع ، تشارك في صياغته الكفاءات الوطنية والفاعلون السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون ، وأن تكون ملكاً للموريتانيين جميعاً ، لا مجرد وثيقة مرتبطة بفريق حكومي أو مرحلة سياسية بعينها.

أما المحور الاجتماعي ، فقد تضمن الخطاب إشارات تستحق التثمين ، خصوصاً في ما يتعلق بالقدرة الشرائية ومواجهة غلاء المعيشة وتوسيع الحماية الاجتماعية.

فالدولة مهما بلغت مؤشرات نموها ، لا تستطيع الادعاء بتحقيق التنمية ما لم ينعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطن ، وما لم يجد المواطن في الخدمات العمومية ما يخفف أعباءه ويصون كرامته.

ومن هنا تأتي أهمية الاعتراف بأن الإنجازات ، مهما تعددت ، تظل دون مستوى الطموح ما دام مواطن واحد يعجز عن الحصول على العلاج أو التعليم أو الماء أو الكهرباء.

إنها مقاربة تنقل النقاش من مجرد تعداد المنشآت والمشاريع إلى مساءلة الأثر الاجتماعي للتنمية ، ومن الاحتفاء بما أُنفق إلى التساؤل عما تحقق فعلياً في حياة الناس.

وهذا تحول في زاوية النظر يستحق التشجيع ، شريطة أن يجد طريقه إلى سياسات قابلة للقياس والتقييم.

وفي ما يتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي ، فإن الإشارات التي تضمنها الخطاب بشأن مواجهة التمييز والنعرات الفئوية والطبقية تستحق اهتماماً خاصاً.

فموريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من الخطب التي تمجد الوحدة الوطنية بقدر حاجتها إلى تعميق الأسس المادية والمؤسسية التي تجعل هذه الوحدة حقيقة محسوسة في حياة المواطنين.

الوحدة ليست مجرد قيمة وجدانية ، ولا شعاراً سياسياً يُستدعى عند المناسبات ؛ إنها منظومة حقوق وواجبات ، وتكافؤ فرص ، وعدالة في توزيع الثروة ، وإنصاف في التمثيل ، ومساواة أمام مؤسسات الدولة.

ولذلك فإن مواجهة التفاوتات الاجتماعية لا ينبغي أن تظل في حدود الإدانة الأخلاقية للتمييز ، بل يجب أن تتجسد في مراجعة الاختلالات التي تحد من فرص بعض الفئات ، وفي ضمان ألا يكون الأصل الاجتماعي أو الانتماء المهني أو الخلفية الأسرية محدداً لمكانة المواطن أو حظوظه في الولوج إلى الوظائف والمسؤوليات.

إن موريتانيا التي نطمح إليها في أفق 2060 ينبغي أن تكون دولة لا يسأل فيها المواطن عن أصله قبل أن يُنظر إلى كفاءته ، ولا تُقاس فيها مكانته الاجتماعية بميراث تاريخي ، وإنما بمواطنته وعطائه واستحقاقه.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضاً ما ورد بشأن إصلاح الإدارة والقضاء ومحاربة الفساد.

فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ما تمتلكه من موارد ، وإنما بمدى كفاءة مؤسساتها في إدارة تلك الموارد ، وبقدرتها على إخضاع السلطة للقانون ، وترسيخ مبدأ المسؤولية والمحاسبة.

ولعل الرهان الحقيقي هنا هو أن تنتقل الإصلاحات من مستوى النصوص والتشريعات إلى مستوى الممارسة المؤسسية ، حيث لا حصانة لأحد أمام القانون ، ولا امتياز خارج مقتضيات الاستحقاق ، ولا تضارب بين المسؤولية العمومية والمصلحة الخاصة.

أما على مستوى السياسة الخارجية ، فإن المحافظة على استقلالية القرار الوطني ، وتغليب المصالح الموريتانية ، وتعزيز علاقات حسن الجوار والتعاون الإقليمي ، تظل من الثوابت التي ينبغي أن تحكم تحركات الدبلوماسية الموريتانية.

فموقع موريتانيا الجغرافي والسياسي يمنحها فرصاً مهمة ، لكنه يفرض عليها أيضاً قدراً كبيراً من الحكمة والتوازن في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية.

والدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تنأى بالبلاد عن محيطها ، ولا التي ترهن مصالحها لحسابات الآخرين ، وإنما التي تحسن بناء الشراكات وتوظيف التوازنات بما يخدم أمنها واستقرارها وتنميتها.

وبعيداً عن تفاصيل المحاور ، فإن ما يستحق التقدير في الخطاب هو اتساع المساحة التي خصصها لقضايا تتجاوز التدبير الإداري إلى أسئلة الدولة والمجتمع والمستقبل.

وهنا أجد من المفيد تسجيل ملاحظة سياسية: إن الانفتاح على التوجهات الإيجابية للسلطة لا ينتقص من استقلالية الكاتب ، كما أن النقد ليس غاية في ذاته ، ولا ينبغي أن يتحول إلى موقف ثابت يحجب عنا كل ما يستحق التثمين.

فالاستقلالية السياسية ليست مرادفاً للخصومة الدائمة ، مثلما أن الموضوعية ليست مرادفاً للمجاملة. 
وبينهما توجد مساحة واسعة للموقف الوطني المسؤول ، الذي يشجع ما يراه مفيداً ، وينبه إلى ما يراه ناقصاً ، ويحتفظ لنفسه بحق المساءلة دون وصاية أو تبعية.

ومن الإنصاف أن نقول إن الخطاب قدم جملة من العناوين التي تستحق أن تُبنى عليها مقاربة وطنية أكثر طموحاً ، وأن الحكومة تملك اليوم فرصة لتحويل هذه العناوين إلى نتائج ملموسة ، خصوصاً في ملفات العدالة الاجتماعية ، وتكافؤ الفرص ، وإصلاح الإدارة وتحسين الخدمات الأساسية.

ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى دوائر صنع القرار هي أن الموريتانيين لا ينتظرون من حكومتهم أن تكون معصومة من النقص ، وإنما ينتظرون منها أن تكون شجاعة في تشخيص الاختلالات ، وجادة في معالجتها ، ومنفتحة على النقد والكفاءات والآراء المختلفة.

إننا لا نحتاج إلى دولة تصفق لنفسها ، بل إلى دولة تثق في قدرتها على الإصلاح ، وتستمد قوتها من ثقة مواطنيها.

وإذا كان خطاب الوزير الأول قد فتح نافذة على أفق استراتيجي أوسع ، فإن المطلوب اليوم هو ألا تُغلق هذه النافذة عند حدود التصريحات ، بل أن تتحول إلى مسار عمل يشارك فيه الجميع ، وتُقاس نتائجه بما يحققه من إنصاف وتنمية وكرامة.

فموريتانيا تستحق أكثر من إدارة الحاضر ؛ إنها تستحق أن تُحسن صناعة مستقبلها.

____

احمودي الصديق