الحوار الوطني.. بين استحقاق المرحلة وحسابات السياسة

أربعاء, 22/07/2026 - 20:19
احمودي الصديق

يمثل الحوار الوطني أحد أهم الأدوات التي تلجأ إليها الدول في المراحل المفصلية من تاريخها، حين تتشابك التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويصبح التوافق الوطني ضرورة لا ترفًا سياسيًا. فالحوار الحقيقي لا يقتصر على جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، وإنما يهدف إلى بناء رؤية مشتركة لمستقبل الوطن، وترسيخ الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإيجاد حلول مستدامة للإشكالات التي تعيق التنمية والاستقرار.

وفي ظل الظروف التي تمر بها بلادنا، تزداد أهمية هذا الحوار باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، بما يضمن استقرارًا دائمًا قائمًا على العدالة والإنصاف، لا على التفاهمات الظرفية. كما أن نجاح الحوار سيكون رسالة قوية تؤكد قدرة الموريتانيين على إدارة خلافاتهم بالحكمة والتوافق، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الغلبة.

ولا تقتصر أهمية الحوار على المشهد السياسي وحده، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي الذي يمثل اليوم أحد أكبر التحديات الوطنية. فهناك شرائح واسعة من المواطنين، ولا سيما الفئات الهشة والمهمشة، تنظر إلى هذا الحوار باعتباره نافذة أمل لإيجاد حلول حقيقية لمطالبها المشروعة، من خلال ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة مختلف أشكال التهميش والإقصاء. ولهذا فإن أي مخرجات لا تلامس هذه القضايا الجوهرية ستبقى بعيدة عن تطلعات المواطنين وعن حجم الانتظارات المعلقة على هذا الاستحقاق الوطني.

غير أن نجاح الحوار يبقى مرهونًا بالإجابة عن سؤال جوهري: ما هي الغاية الحقيقية منه؟ هل هو حوار وطني شامل يراد به بناء توافق يخدم الدولة والمجتمع، أم أنه مجرد محاولة لاستقطاب بعض الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم النائب والزعيم السياسي بيرام الداه اعبيد، إلى طاولة التفاوض؟

فإذا كان الهدف الأساسي هو استقطاب شخصية سياسية بعينها، فإن الوقائع تشير إلى أن سقف المطالب لا يزال في تصاعد، وأن منطق التفاوض المفتوح قد يؤدي إلى تأجيل الحوار بدل إنجازه، وإلى ربط مصير استحقاق وطني بإرادة طرف واحد مهما كانت مكانته السياسية. أما إذا كان الحوار مشروعًا وطنيًا جامعًا، فإن المصلحة العليا للوطن تقتضي الحسم في هذا الموضوع ضمن إطار واضح، بحيث لا يتحول الحوار إلى رهينة لحسابات الأفراد أو القوى السياسية، بل يبقى مفتوحًا أمام الجميع وفق قواعد متساوية، ومن اختار المشاركة فمرحبًا به، ومن اختار المقاطعة فلا ينبغي أن تتوقف المسيرة الوطنية بانتظار قراره.

لقد تابعنا بإيجابية الدعوة إلى إطلاق الحوار الوطني، وعبّرنا عن رغبتنا الصادقة في الإسهام فيه من خلال الرسالة التي وجهناها إلى المنسق العام للحوار، إيمانًا منا بأن المشاركة الواعية والمسؤولة هي السبيل الأمثل للإسهام في صناعة مستقبل أفضل لبلادنا. ولم تكن هذه الرغبة نابعة من حسابات سياسية ضيقة، وإنما من قناعة راسخة بأن الحوار يمثل فرصة ينبغي اغتنامها لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى بروح المسؤولية والتوافق.

ويبقى الأمل معقودًا على أن يخرج هذا الحوار بمخرجات عملية وقابلة للتنفيذ، تعزز الوحدة الوطنية، وترسخ العدالة والمساواة، وتدعم الاستقرار السياسي، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية والإصلاح، بعيدًا عن الحسابات الظرفية أو المكاسب الآنية. فالوطن اليوم بحاجة إلى توافقات تؤسس للمستقبل، لا إلى تفاهمات مؤقتة تنتهي بانتهاء الظروف التي أوجدتها.

إن نجاح الحوار لن يقاس بعدد المشاركين فيه، وإنما بقدرته على معالجة القضايا الحقيقية التي تشغل المواطن، وبمدى التزام الجميع بتنفيذ مخرجاته. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة الصادقة، والرؤية الواضحة، وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار.