
الموضوع: "أنسنة القطاع الصحي" وإشكالية الهجرة العلاجية.. بين تحدي السيادة الطبية وعقدة الثقة في المنظومة الوطنية
مقدمة: الصرخة السيادية من رحم المعاناة الإنسانية
امتدادا للمقاربة الفكرية والمسؤولة التي أسس لها "رواق الفكر الوطني" في تشخيصه لقطاعات السيادة الوطنية، تداعى باحثو ومفكرو الرواق بروح وطنية غيورة تضع مصلحة المواطن الموريتاني فوق كل اعتبار، لفتح واحد من أخطر الملفات الحيوية وأكثرها مساسا بالأمن القومي والأهلي: القطاع الصحي.
وإننا في هذا السياق، لا بد لنا من قراءة المشهد السوسيو-صحي في البلاد بكامل التجرد والموضوعية العلمية، إذ لا ينكر منصف أن ثمة جهودا حثيثة وخطوات مهمة قامت وتقوم بها الوزارة الوصية بين الفينة والأخرى في محاولة لترميم التصدعات المزمنة في جسد القطاع، كما يثمن الرواق عاليا الخطوات المحورية والمكاسب المعتبرة التي أُنجزت على صعيد نظامي التأمين الصحي والضمان الاجتماعي المتمثلين في "أكنام" و"أكناس"، واللذين أحدثا - رغم تفاوت أدائهما وأهمية الأول المتقدمة على الثاني - فارقا ملموسا في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل فئات عريضة من المواطنين والموظفين، يضاف إلى ذلك ما تم تحقيقه على مستوى "المركزية الوطنية لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية" (كامك)، من جهود مقدرة لتذليل العقبات الجغرافية، والعمل على إيصال الإمداد الدوائي إلى العمق الوطني وفي الحواضر الداخلية النائية لتقريب المادة العلاجية من المواطن حيثما كان.
غير أن هذه اللمسات الإصلاحية الجزئية، ورغم نبل مقاصدها وسياقها التدبيري، لم تعد كافية إطلاقا أمام حجم الانهيار المتسارع وعمق التحديات الهيكلية، إن النخبة في الرواق لا تنظر إلى الأزمة الصحية الراهنة كخلل فني بسيط في إدارة مستشفى هنا أو هناك، أو نقص عابر في المعدات اللوجستية يمكن ترميمه بمسكنات إدارية مؤقتة، بل تقاربها كأزمة بنيوية عميقة تضرب مفهوم "الأنسنة" في الصميم، وتجعل من الحق الإنساني والدستوري في الشفاء مجرد سلعة تجارية خاضعة لمنطق السوق المضطرب والتربح الفاحش على حساب الآلام.
إننا نقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي ومصيري، فإما أن تتجاوز الدولة عقلية الحلول الموضعية وتنتقل نحو استراتيجية جذرية تبني بها منظومة وطنية صلبة تحظى بثقة المواطن المطلقة، وإما أن يستمر هذا النزيف البشري والمادي المرعب نحو الخارج عبر بوابة "الهجرة العلاجية" التي تحولت بفعل التراكمات السلبية وعقدة انعدام الثقة إلى مأساة وطنية مكتملة الأركان، إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يمكن الفكاك منه إلا بقرارات سيادية وثورية شجاعة تنهي حقبة الفساد، وتفكك لوبيات تشريع الفساد التجاري، وتخضع القطاع برمته لمنطق الحكامة الصارمة والرقابة الصارمة والسيادة الوطنية التي تعيد للمرفق الصحي هيبته وإنسانيته.
التشخيص: جذور الأزمة ومظاهر الاختلال البنيوي
أولا: من أزمة الطبيب إلى كابوس الدواء (انهيار الثقة والمفارقات الكبرى)
يرى المجتمعون في الرواق أن إشكالية الثقة في المنظومة الصحية الموريتانية مرت بتحولات دراماتيكية، فبعد أن كانت الأزمة تاريخيا تتمحور حول العلاقة بين المريض والطبيب، تحولت في السنوات الأخيرة إلى أزمة ثقة وجودية بين المريض والدواء المعروض في الأسواق بعد انكشاف حقيقة انتشار الأدوية المزورة والمجهولة المصدر، لقد أفرز هذا الواقع مفارقة فكرية وعلمية غريبة رصدها الباحثون في الرواق: يتابع المريض مع أطباء موريتانيين أكفاء يكتبون له وصفات طبية دقيقة، ولكن عند استعمال الدواء محليا لا يزداد المريض إلا مرضا ووهنا، وحين يضطر ذات المريض للهجرة إلى الخارج (تونس، المغرب، السنغال) يعرض على أطباء آخرين يكتبون له ذات الوصفة الطبية ونفس العقار، فيتحسن بشكل ملحوظ وسريع!.
هذه المفارقة الصادمة تثبت برأي النخبة أن العيب ليس دائما عيب الكفاءات الطبية الوطنية، بل هو عيب الدواء المستعمل الذي تغلغلت فيه يد التزوير وغياب الرقابة، ولقد انعكست هذه الأزمة على سلوك المواطنين الذين باتوا يتجنبون صيدليات الوطن ويشترون أدويتهم من دول الجوار، بل إن فوضى الصيدليات محليا بلغت حدا كارثيا، حيث تحول الصيدلاني (وفي الغالب الأعم هو عامل غير متخصص ولم يدرس الصيدلة أصلا) إلى "طبيب بديل" يشخص المرض، ويصرف الدواء، وينصح به دون حسيب أو رقيب أو خوف من عقاب.
ثانيا: الهجرة العلاجية وطائرة الـ "أمبيلانص"
إن انعدام الثقة في الطبابة والدواء محليا أدى إلى تزايد مرعب في أعداد المهاجرين بحثا عن العلاج، لدرجة أصبحت معها الهجرة العلاجية استنزافا حقيقيا لجيوب المواطنين، ولقد توقفت النخبة بمرارة عند مظهر يمس كبريائهم الوطني، تمثل في إطلاق بعض مواطني ودول الجوار لقب "أمبيلانص" (سيارة الإسعاف) على الطائرة الموريتانية، نظرا لكثرة ما تحمله يوميا من مرضى منهكين يفرون من مستشفيات وطنهم بحثا عن طوق نجاة في الخارج، مدفوعين بالدعاية التي تمارسها الأطقم الطبية في دول الجوار لإقناع المريض الموريتاني بأن المنظومة الطبية في بلده لا تصلح لشيء، مستغلين في ذلك تراجع الأخلاق المهنية لدى بعض الأطباء محليا.
ثالثا: تغول القطاع الخاص وهيستيريا الثراء الفاحش
استذكر المجتمعون بحسرة عهود السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات، حين كانت المنظومة الصحية تحظى بمصداقية عالية بفضل مهنية الأطباء وجودة الأدوية، وحيث كان الجهد الإعلامي والدعائي مصبوبا لصالح الطب العام والمرفق العمومي، أما اليوم، ومع دخول الخصخصة العشوائية وغياب الرقابة، تحول قطاع الصحة إلى مرتع للتجار ولوبيات المتاجرة بالأدوية.
لقد رصد الرواق ظاهرة "الثراء الفاحش السريع" الذي يحول الطبيب من الحالة المادية البسيطة إلى امتلاك العقارات والفيلات الفخمة في المغرب وغيره، وذلك عبر استغلال العيادات والمصحات التجارية التي تفرغ جيوب المواطنين، وتتكاثر كالفطر في كل أحياء العاصمة نواكشوط، إن هذه العيادات لا تهدف لتقريب الخدمة بل لامتصاص دماء المرضى، حيث تفرض شروطا مجحفة تلزم الأطباء بكتابة سيل جارف من الفحوصات والتحاليل الطبية والبروتوكولات غير الضرورية لزيادة الفاتورة، في مفارقة عجيبة تجعل أسعار الفحوصات في نواكشوط أغلى بكثير من مثيلاتها في تونس!، بل إن التغول وصل في بعض المصحات الخاصة إلى طرد المرضى في حال عجزوا عن دفع المبالغ الفلكية، أو رفض إجراء الفحوصات الاستعجالية إذا لم يترك المريض المبلع كاملا (حتى في غياب الصرف)، مما يمثل انهيارا كاملا للمفهوم الإنساني للطب.
رابعا: الفساد الإداري والمهني والاقتصاص الأخلاقي في المستشفيات العمومية
يعاني المرفق العمومي من رداءة قاتلة في الخدمات وإهمال طبي كارثي تسبب في مضاعفة الأخطاء الطبية، ولعل أزمة مستشفى "أطار" الأخيرة خير شاهد وسياق حي على هذا الفساد الإداري والأخلاقي والمهني، وحرمان الأطباء والممرضين من مستحقاتهم المالية، وتسيير الإدارات والمنشآت على هوى المديرين.
كما يتجلى الفساد في السلوك السلطوي لبعض الأطباء الذين استعاروا عقليات الإدارة القديمة ولغة السلطة والترهيب في مخاطبة المرضى، بدلا من بث الطمأنينة والودية التي تفترضها أخلاقيات المهنة، وتتفاقم الأزمة بسبب سوء التوزيع الجغرافي (السيولة اللوجستية)، حيث يتكدس الأخصائيون في نواكشوط بحثا عن عياداتهم الخاصة، بينما تفتقر مستشفيات الداخل للأخصائيين ولا تجد في غرفها سوى أسماء معلقة على الجدران دون أثر حقيقي، مما يضع ضغطا رهيبا ووهنا جسديا على الأطباء القلائل في الداخل الذين يواجهون وحدهم مئات المرضى يوميا، في حين تحدد المنظمة العالمية للصحة طاقة الطبيب الاستيعابية بين 20 إلى 25 مريضا فقط كحد أقصى يوميا لضمان سلامة التشخيص وتفادي الأخطاء الطبية الكارثية.
معاناة مرضى الأورام والسرطانات: تجسيد حي لغياب الإنسانية الطبية
إننا في "رواق الفكر الوطني" نرى أن المحك الحقيقي لأنسنة أي منظومة صحية في العالم يتجلى في مدى قدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة والذين يتقلبون بين مطارق الألم ومخالب الموت، ومن هذا المنطلق، نود أن نلفت الانتباه بأعلى مستويات الوعي والمسؤولية الوطنية إلى الفاجعة الإنسانية الصامتة التي يعيشها المصابون بالأمراض السرطانية والأورام في بلدنا، إن واقع هؤلاء المرضى يمثل المؤشر الأكثر دلالة على وصول المنظومة الطبية إلى حالة من الهلاك البنيوي، إذ يواجه المصابون بهذه الأمراض العضالة شحا غامضا وندرة مرعبة في البروتوكولات العلاجية والأدوية الكيميائية الحيوية، والتي يشكل غيابها أو انقطاعها لعدة أيام مسألة "حياة أو موت" محققة للمريض.
إن العجز لم يقف عند حدود توفير المادة الدوائية الحساسة فحسب، بل امتد ليعصف بالقدرة على إجراء الجراحات الأورامية المعقدة داخل الوطن، مما يحول حياة المريض الموريتاني وعائلته إلى رحلة عذاب وجودي، ويضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية وسيادية تفرض جعل ملف أدوية السرطان وجراحاته خطا أحمر وخارجا عن أي حسابات تجارية أو لوجستية، كونه يمس أقدس الحقوق البشرية على الإطلاق: الحق في الحياة.
جدلية الأمن الدوائي: أزمة "كامك" وكارتلات الفساد
لقد أفردنا في نقاشات "رواق الفكر الوطني" حيزا تحليليا واسعا ومعمقا لملف "المركزية الوطنية لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية" (كامك)، باعتبارها الركيزة المحورية والأداة التنفيذية التي من المفترض أن تضمن الدولة من خلالها أمنها الدوائي وسيادتها الطبية، وإن تشخيصنا العلمي لواقع هذه المؤسسة يكشف عن اختلالات هيكلية بالغة التعقيد، تتأرجح بين قيود الاحتكار النظري وضعف الدعم المالي، مما جعلها في قلب أزمة ندرة الدواء الحالية وثغرات سلاسل التوريد.
إننا في الرواق نقارب هذا الملف عبر الأبعاد الإستراتيجية والبنيوية التالية:
• جدلية الاحتكار وعقدة التمويل: إن قرار منح "كامك" حق الاحتكار الحصري لاستيراد بعض الأصناف الدوائية الحساسة يمثل -من الناحية النظرية والإستراتيجية- خطوة صائبة وفي غاية الأهمية لضبط الجودة ومحاربة التزوير وسد منافذ الفوضى التجارية، غير أن هذا الاحتكار تحول ميدانيا إلى عائق كبير أمام توفر الخدمة، نظرا لأن الدولة لم تقم بضخ أموال معتبرة وضخمة تمكن المؤسسة من مجابهة متطلبات السوق وتغطية الطلب المتزايد بكفاءة، ونتيجة لغياب هذا التمويل الاستثنائي، تسبب الاحتكار في ندرة حادة لبعض الأدوية الأساسية وحرمان السوق من مرونة التنافس الإيجابي الذي يسد النقص عند الأزمات.
• تداعيات حظر الاستيراد من الصيدليات الأوروبية: ناقشنا بتمعن القرار القاضي بمنع الموردين الخصوصيين الموريتانيين من شراء الأدوية مباشرة من الصيدليات الخارجية في الأسواق الأوروبية، ورأينا أنه بالرغم من استهدافه ضبط قنوات التوريد وحصرها قانونيا، إلا أنه أحدث أثرا عكسيا وضغطا هائلا على "كامك"، فمع عجز الموردين الخصوصيين عن إيجاد قنوات بديلة سريعة ومطابقة للشروط من داخل الاتحاد الأوروبي، تضاعفت أزمة شح الأدوية الحيوية في السوق الوطني، مما خلق فجوة تموينية أدت بشكل غير مباشر إلى ظهور أدوية حساسة في الصيدليات مجهولة المصدر، وتطرح حول سلامتها العديد من علامات الاستفهام المقلقة.
• ثغرات سلاسل الإمداد وسوء التنبؤ بالإحتياجات: يعاني نظام التوريد المركزي في "كامك" من إشكالات جوهرية تتعلق بطول سلاسل الإمداد وغياب آليات التنبؤ الدقيق والاستباقي باحتياجات البلد الطبية، يضاف إلى ذلك العجز البنيوي في منظومة اللوجستيك، والتخزين، والنقل، والتبريد، وضمان وصول الدواء في الوقت المناسب وبأسعار معقولة إلى العمق الوطني وفي الحواضر الداخلية، حيث يضطر أغلب سكان الداخل حتى الآن للاستعانة بأقاربهم في العاصمة نواكشوط لشراء الأدوية بسبب غياب منافذ توزيع جهوية فاعلة ومستمرة للمؤسسة.
• ثغرات التخزين الموازي ومفارقات العرض الدوائي في العاصمة: رصد الباحثون في الرواق ظواهر مسلكية غير منتظمة تكررت في بعض الفترات داخل مجالات صيدلانية محددة في العاصمة نواكشوط، حيث يتفاجأ المريض أحيانا عند البحث عن دواء حساس أو نادر في قنوات العرض العلنية المعتمدة، بأن عامل الصيدلية يطلب منه التريث والانتظار ليدلف خارجا نحو محل أو منزل مجاور للمنشأة يتخذ كمكان مواز للتخزين غير المرخص، ليعود ومعه العقار المطلوب ويبيعه بأسعار مضاعفة تتجاوز السقف القانوني المعتمد، إن هذه الممارسات المشهودة ميدانيا تكشف عن وجود ثغرات إجرائية في نظام الرقابة والتفتيش الصيدلاني، وتؤكد الحاجة الملحة لتفعيل آليات حماية المستهلك وتشديد التفتيش على سلاسل التوريد والتخزين لضمان بقائها بالكامل داخل الإطار التنظيمي والصحي الشرعي للدولة.
• الرؤية البديلة لإصلاح "كامك": بناء على هذا التشخيص، يرى الرواق أن قرار الاحتكار الحصري لـ "كامك" لن يصبح صحيحا ومجديا ومحققا لغاياته الإنسانية والسيادية إلا إذا اقترن فورا بـ ضخ أموال ضخمة وميزانيات استثنائية معتبرة من طرف الدولة لصالح المؤسسة لتمويل مشترياتها وتوسيع مخزونها الإستراتيجي، بالتوازي مع تفعيل الدور الرقابي للجنة الوطنية لمراقبة جودة الأدوية، وتعزيز نظام الشراء المشترك مع دول الجوار، وبناء شبكة منافذ حدودية قوية تمنع تسرب الأدوية المغشوشة ومجهولة المصدر التي تهدد حياة المواطن وتضرب هيبة ومصداقية الأمن الصحي الوطني.
مفارقات البنية التحتية والمسار الصحي الضائع
إننا في "رواق الفكر الوطني" لا نقارب المشهد السوسيو-صحي من زاوية الرصد الإحصائي الجاف، بل نقرأ دلالات البنية التحتية والمؤشرات الديموغرافية بوصفها انعكاسا مباشرا لخلل الحكامة الهيكلية وغياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة التنمية، ومن هذا المنطلق، تدارسنا ببالغ القلق معالم الهشاشة البنيوية التي تتسم بها المنظومة الصحية الوطنية، والتي تجلت بوضوح في ضعف مرونتها وقدرتها الاستباقية أمام الأوبئة والتحديات المناخية المستجدة، فضلا عن سوء التوزيع الجغرافي للمرافق الطبية الذي كرس مركزية حادة وشبه تمييزية لصالح العاصمة على حساب الحواضر الداخلية والمناطق الهشة.
إن التمعن الأكاديمي والعلمي في مؤشرات وفيات الأم والطفل يكشف عن واقع مقلق يتناقض مع الطموحات السيادية للبلد، حيث تشير البيانات العلمية الموثقة لعام 2022 إلى أن معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة ما زال مستقرا عند حدود 38 حالة لكل 1000 ولادة حية، وهي نسبة مرتفعة تبرهن على أن البرامج الحكومية المتعاقبة، ومنها برنامج التغطية الصحية الشاملة الذي أُطلق عام 2020، ظلت تصطدم دوما بعقدة التمويل المزمنة وتحديات الحكامة اللوجستية التي تحول دون تحويل التمويل إلى خدمة ميدانية مستدامة تمس حياة المواطن الأكثر غبنا.
وفي سياق متصل، ناقشنا في الرواق معضلة ثقافية وتنظيمية بالغة الأثر، تتمثل في غياب الوعي بـ "المسار الصحيح والتراتبي للرعاية" داخل المجتمع، فالأصل العلمي والبروتوكولي المعمول به عالميا يفرض أن يشكل "الطبيب العام" البوابة التشخيصية الأولى ومحطة التوجيه الأساسية للمريض، اتساقا مع تعريف المنظمة العالمية للصحة للطبيب بوصفه قائدا للفريق الصحي والمسؤول الأول عن الوقاية والتوجيه، غير أن النمط السلوكي السائد محليا يتسم بتجاوز هذا المسار المؤسسي والتوجه المباشر نحو الطبيب الأخصائي، وهو مسلك عشوائي لا يساهم فقط في تغييب التشخيص الشمولي وتعقيد الحالة الصحية للمريض، بل يؤدي بالضرورة إلى إحداث ضغط رهيب واستنزاف لطاقات الأخصائيين المشتتين أصلا بين التزامات المرفق العمومي وإغراءات القطاع الخاص.
المقاربات والحلول المقترحة (الرؤية البديلة لاستعادة الثقة في المنظومة الصحية)
من رحم هذا التشخيص، وتثمينا لأدوار الأطباء والممرضين الخلص الذين يواصلون الليل بالنهار ويتلقون المخاطر وينأون بأنفسهم ترفعا عن أموال الفساد، وإشادة بالجهود التوعوية لـ إذاعة التثقيف الصحي ودورها الوقائي، يتقدم "رواق الفكر الوطني" بالحزمة التشريعية والتنفيذية التالية للإصلاح الجوهري:
• أولا: وزارة الصحة والسيادة الطبية: نطالب رئيس الجمهورية -أسوة باستحداث وزارة السيادة الغذائية- بإنشاء "وزارة الصحة والسيادة الطبية"، على أن تدار بعقلية إدارية محترفة، فالوزارة والإدارات المركزية منصب إداري تنظيمي بالأساس، وليس بالضرورة أن يشغلها أطباء، بل إداريون محترفون يديرون المنظومة ويستعينون بالفنيين المتخصصين وينصتون لآرائهم العلمية في مجالات تخصصهم لتنفيذ الاستراتيجيات بكفاءة.
• ثانيا: الفصل الصارم بين القطاعين العام والخاص: إنهاء حالة "الازدواجية المصلحية" التي تفسد ذمم الأطباء، حيث يسيء بعضهم المعاملة والأخلاق في المستشفى العام ليوجه المرضى علنا إلى عيادته الخاصة حيث اللطف والتودد، يجب فرض الاختيار القانوني الصارم بين العمل في المرفق العمومي أو الخصوصي، وكسر احتكار كارتلات الدواء بقوة القانون.
• ثالثا: المقاربة الدوائية الصارمة وحظر الأدوية غير الأوروبية: يوصي الرواق باتخاذ قرار سيادي حاسم بمنع دخول وعرض أي أدوية لا تطابق المعايير الأوروبية الصارمة (أو المصنعة في بيئات تصنيع غير خاضعة لرقابة دولية مشددة)، وتشجيع سياسات الشراء المشترك للأدوية مع دول الجوار لخفض الكلفة وضمان الجودة، مع السعي لإنشاء شراكات استراتيجية مع الدول المصنعة لإقامة مصنع وطني للأدوية في موريتانيا، ومحاربة الاستهلاك المفرط والعشوائي للأدوية بدون وصفات.
• رابعا: التوزيع الجغرافي العادل وفرض سياسة التناوب: تفعيل خطة "التموقع الجغرافي العادل" من خلال بناء شبكة نقاط صحية قوية وموزعة جغرافيا ومجهزة بالمتخصصين في الداخل، بدلا من تكديس المستشفيات الكبرى في العاصمة، ويجب فرض سياسة التناوب الإلزامي على جميع الأطباء المتخصصين للخدمة في مقاطعات الداخل بالتساوي.
• خامسا: الثورة المادية للأطقم الطبية وتوسيع التعليم العالي: رفع أجور الطواقم الطبية بشكل ثوري ومجز يغنيهم عن التكالب على العيادات التجارية، وضخ الأموال المهدورة في المهرجانات السياسية لصالح المرفق الصحي، كما نوصي بتحويل كلية الطب إلى "جامعة الطب والعلوم الصحية"، وفتح كليات طب متخصصة في ولايات الداخل لاستيعاب الطلب وتخريج كفاءات وطنية ترتبط بالتراب الوطني.
• سادسا: منع ممارسة السياسة وإنهاء الإفلات من العقاب: وضع قانون يمنع منعا باتا على الأطباء والعاملين في الحقل الصحي من ممارسة العمل السياسي الحزبي أو الترشح، أسوة بالسلك العسكري، لأن تسييس القطاع أفسد معايير الكفاءة والترقية، كما يجب إدخال "نمط الإدارة التعاقدية" للمستشفيات الكبرى عبر بيوت خبرة مستقلة، وربط علاوات الأطباء بنسب رضا المرضى، وتشكيل لجان تحقيق قضائية وطبية مستقلة للنظر في الأخطاء الطبية لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب والوساطة القبلية التي تحمي المخطئين.
• سابعا: تجريم الامتناع عن المساعدة الاستعجالية الفورية: سن قانون يعتبر أي تأخير أو امتناع عن تقديم العلاج الفوري والمساعدة الطبية العاجلة لأصحاب الحالات الاستعجالية بحجة الإجراءات الورقية أو المالية بمثابة "جريمة إنسانية" كبرى تعرض مرتكبها والمؤسسة للمساءلة الجنائية الصارمة.
• ثامنا: التحول الرقمي الشامل (الملف الصحي الإلكتروني): إلزام وزارة الصحة بإنشاء نظام "الملف الصحي الإلكتروني الموحد" لكل مواطن موريتاني، يربط رقم هويته الوطني بمساره العلاجي وفحوصاته وتاريخه المرضي، للحد من الأخطاء التشخيصية وتكرار الفحوصات العشوائية وتسهيل التنبؤ الدقيق بالاحتياجات الدوائية من طرف "كامك".
• تاسعا: حوكمة نظام التوريد الخارجي وعقلنة خارطة الموردين (الحظر التشريعي للسيولة التجارية): نقترح صياغة مشروع قانون إستراتيجي يعرض بصفة استعجالية للمصادقة عليه من قِبل البرلمان، يستهدف إنهاء حالة الفوضى العارمة والسيولة التجارية التي تطبع قطاع استيراد الأدوية، فبناء على المعطيات الرسمية الصادمة التي كشف عنها وزير الصحة مؤخرا، والتي تشير إلى بلوغ عدد الموردين الخصوصيين للأدوية في البلاد 44 موردا، يرى الرواق أن هذا التضخم العددي يمثل ثغرة رقابية كبرى تحول دون ضبط جودة المواد الصيدلانية ومصادرها.
لذا، يقترح الرواق في رؤيته البديلة خفضا ثوريا وجريئا لهذا العدد ليصبح موردين اثنين فقط من الخصوصيين المؤهلين وفق شروط بيداغوجية وفنية بالغة الصرامة، ليعملا جنبا إلى جنب مع المركزية الوطنية لشراء الأدوية (كامك)، وبذلك يتقلص العدد الإجمالي للموردين على كامل التراب الوطني إلى 3 موردين فقط تحت الرقابة المباشرة للدولة، إن هذا الإجراء التشريعي الحاسم سيتيح للأجهزة الرقابية والقضائية، واللجنة الوطنية لمراقبة جودة الأدوية، إحكام قبضتها الكاملة على سلاسل التوريد، ومنع اختراق الأدوية المزورة ومجهولة المصدر للمنافذ الحدودية، وتحويل قطاع الاستيراد من حلبة للمضاربة المفتوحة والتجارة الجشعة إلى قطاع سيادي مضبوط وموجه لخدمة الأمن الصحي القومي.
خاتمة وبيان ختامي لـ "رواق الفكر الوطني"
إن صياغة هذا التقرير الشامل وإعلانه للرأي العام وصناع القرار لا يشكل ترفا فكريا أو رصدا فنيا عابرا للمسألة الصحية، بل يمثل شهادة حق دستورية وأخلاقية، وموقفا إستراتيجيا وتاريخيا تسجله النخبة الموريتانية في "رواق الفكر الوطني" في لحظة مفصلية من مسار التحول الوطني، وتشدد النخبة في هذا البيان على قضية مبدئية غير قابلة للمساومة: إن الأمن الصحي لا يندرج ضمن الملفات الخدمية الموضعية، بل هو الوجه الآخر للسيادة الوطنية الحقة، والدعامة الأساسية التي يقوم عليها صون السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي وبقاء الدولة ذاتها.
إن تشخيصنا البنيوي للقطاع يكشف أن معركة الإصلاح لم تكن يوما عاجزة عن ابتكار الحلول، بل كانت على الدوام تصطدم بمقاومة شرسة من كارتلات ولوبيات الفساد والجشع التجاري التي تغلغلت في مفاصل القطاع مستفيدة من السيولة الرقابية، وهي اللوبيات ذاتها التي دأبت على إجهاض خطط الإصلاح المتعاقبة وتدبير المكائد الإدارية والسياسية للوزراء والمصلحين الذين حاولوا تقويض نفوذها، ولقد استحضرت نقاشات الرواق ببالغ القلق والأسف شهادات شفوية لنافذين سابقين تنبههم إلى القوة المالية والتنظيمية الرهيبة لمافيات الدواء المغشوش ومنتهي الصلاحية، مما يؤكد أن مجابهة هذا التغول الهيكلي لم تعد تحتمل أدنى مستويات المهادنة، أو التراضي، أو التسويف السياسي الذي قاد المنظومة تاريخيا نحو العطالة والتفكك، وفي ذات السياق، يسجل الرواق بمرارة وأسف غياب الدور المأمول لهيئات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، والتي انكفأت عن القيام بدورها الرقابي والضغط المجتمعي، وانخرطت هي الأخرى في توازنات مهادنة صامتة على حساب أنين المرضى والضحايا المعذبين في أروقة المستشفيات.
من هذا المنطلق، فإن "رواق الفكر الوطني" يوجه نداء سياديا ومناشدة وطنية إلى أعلى سلطة في البلد، ويخاطب بها في الآن ذاته وجدان الشعب الموريتاني وقواه الحية بجميع أطيافها، ليؤكد أن "أنسنة" القطاع الصحي وإنقاذه من وهدة السمسرة التجارية ليس ترفا تنمويا خاضعا لحسابات الميزانية التقليدية، بل هو معركة مصيرية لاستعادة كرامة المواطن الموريتاني فوق أرضه، وإنهاء مشهد الإذلال الإنساني والنفسي والمادي المتكرر في مطارات وعواصم دول الجوار.
إن العبور الآمن نحو الأفق الإستراتيجي يتطلب إيمانا راسخا بأن الطبابة رسالة رحمة، وإنسانية، وأخلاق قبل أن تكون استثمارا ماديا أعمى، وأن المستقبل الموريتاني المشرق والموحد الذي ننشده ونؤسس له فكريا في هذا الرواق لن يرى النور ما لم يرتكز على دعائم سيادة طبية صلبة، وترسانة قانونية وقضائية رادعة تنهي حقبة الإفلات من العقاب، وسلاسل إمداد دواني آمنة وموثوقة، ومنظومة استشفائية وطنية عادلة وشاملة يستعيد بها القطاع ثقة المواطنين، وينعم في ظلها الإنسان الموريتاني بالرعاية، والإنصاف، والوحدة المعرفية والإنسانية الكاملة.
عاشت موريتانيا حرة، مصونة السيادة، عزيزة الجناب الإنساني والطبي.
صادر عن مجموعة "رواق الفكر الوطني".
رواق الفكر الوطني:
لجنة الإشراف:
1- رئيس الرواق: جدو البشير ألمين
2- نائب رئيس الرواق: النجاح محمد محمذن فال
3- مدير الحوار: الولي الشيخ بوي سيد هيبة
4- مقرر الجلسة (جامع المادة الخام) صمب الداه السالك
5- المحلل الفكري (صانع المحتوى التحليلي): الهيبة شيخنا زايد
6- المحرر اللغوي (صياغة التقرير) الديه محمد أحمد صاليحي
7- المستشار الإعلامي (مسؤول العلاقات والتسويق) نور الدين محمد اعليات
.jpeg)
.gif)
