محمد فال ولد عبد اللطيف يكتب عن " زمن العبور الهاديء"

جمعة, 22/05/2026 - 11:04

لا أدري ماذا كانت ستكون مجريات الفترة الانتقالية في موريتانيا بعد انقلاب 2005، لو لم يوفق الله تعالى العقيد اعلِ ولد محمد فال رحمه الله لتعيين السيد سيد محمد ولد بوبكر مشرفا على حكومة الفترة الانتقالية.
ومع أني لا أنكر ما عودَ الله تعالى هذا الشعبَ الكريم من لطف يرافقه حتى في الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها، فإني - مع ذلك - أجزم أن تعيين السيد سيد محمد كانَ حاسما في تحقيق النجاح الباهر الذي أجمع عليه البر والفاجر والقريب والبعيد.
إن تسيير الفترة الانتقالية هو من الصعوبة بمكان والشواهد في الدوَل الإفريقية شاهدة على ذلك، لأنها تتنزل في عالم انخرمَت فيه القواعد وتزلزلت الثوابت التي كانت غالبا تتحكم في العلاقات بين الشعب والدولة وبين مكونات الشعب، وبين الدولة ونظيراتها في الخارج.
سيد محمد ولد بوبكر، هذا الرجل غني عن التعريف، لا يسأل عن كفاءته العلمية ولا عن كفايته الفنية ولا عن تجربته الغنية، ولا عن أخلاقه الزكية.
ولقد تعرفت عليه صدفة بمناسبة سفر جمعني وإياه من مدينة النعمة بعيد انقلاب العاشر يوليو، وأنا يومئذ الوالي المساعد لولاية الحوض الشرقي، فتوقفنا في مدينة تنبدغة ومعنا جماعة من الطلاب، فوقع بينهم نقاش حول قانونية انقلاب العاشر من يوليو فقال لهم سيد محمد: لا تتعبوا أنفسكم فكل شيء يمكن أن يوصف به الانقلاب إلا صفة القانونية. قالها مصرحا جهرة، وكان الإعلان بمثل هذا القول في ذلك الزمان في ذلك المكان يحتاج إلى كثير من الشجاعة، وهذه الكلمة توحي بما بعدها. 

وقد ألف السيد سيد محمد ولد بوبكر مؤخرا  كتابا حولَ الانتقال الديموقراطي في موريتانيا وتفضل مشكورا بإهداء نسخة منه إلي، ولعلي كنت من أول من حصل على هذا الكتاب، كتاب صدر باللغتين، نسخة باللغة الفرنسية في أسلوب يغار منه الكاتب شاتو برييانه ، وألفونس دوديه، ونسخة بلسان عربي مبين، بأسلوب يذكرني بالخطابات التي كان هو يلقيها سنويا أمام البرلمان أيام إذ كان وزيرنا الأول، وهي خطابات تمتاز بالموضوعية والبعد عن الإسفاف والتركيز على الأهم ثم المهم بخطاب يخاطب المستمعين حسب مستوياتهم وقدراتهم الاستيعابية، لأمور الدولة والقانون والاقتصاد والمالية ونحو ذلك.
وقد تعرض في هذا الكتاب لجملة من المحاور كلها تصب في شرح العملية الانتقالية والتعرض لجميع الإكراهات المحيطة بها وهي جمة، والترسانة القانونية التي تنظم جميع العملية من أساسها.. 
وقع الانقلاب وأنا إذ ذاك في البادية في حاضرتنا انيفرار ، فبعث إلي الوزير الأول أن ألتحق به على جناح السرعة في مكتبه في مبنى الحكومة القديم، فلما دخلت عليه وتبادلنا كلمات الترحيب والمجاملة، قال لي بالحرف الواحد: لقد حدث ما سمعت وأرجو أن يكون فيه الخير إن شاء الله، وأطلب منك أن تعد لي لائحة بأسماء الأشخاص الذين ترى أنهم يمكن أن ينفعونا فيما نحن بصدده من الإصلاح والسداد.. فتغيبت عنه فلما كانَ من الغد جئته بلائحة فيها أشخاص أرى أنهم موفون بهذا الشرط فلما نظرَ إليها قال: هذه لائحة جيدة ولكن فيها عيبا وهو خلوها من نوع معين من الناس.. فقلت له: السيد الوزير إن المرء لا ينفق إلا مما عنده، وإن لي أسوة بالإمام مالك بن أنس رحمه الله وقد ثبت أنه لم يجالس قط سفيها ولو سئل مالك أن يقدم لائحة فإن تلكَ اللائحة لن يكونَ فيها سفيه.

ولعل من أصعب ما لاقتهُ حكومة الانتقال هو التغلب على جملة من الإكراهات لعل أهمها ما ورثته من أحوال غير منضبطة وبعضها خارج عن الجادة ، فضلا عن التجاذبات السياسية بين مختلف الأطراف الذين لا يرضون بحكم يفصل بينهم، كل حزب بما لديهم فرحون.
ومن هذه الإكراهات أيضا تلك البيانات المغلوطة التي كانت تقدم إلى المؤسسات النقدية وقد شبه بعض الظرفاء هذه البيانات بما يذكره أهل علم الأوفاق والجداول من أنها إذا أدخل فيها معلومة غير صحيحة ، انقلبت على صاحبها فجاءت نتائجها عكسية فيكون ضرها أقرب من نفعها. 
ولقد نجحت الحكومة تحت رقابة وتأطير الوزير الأول سيد محمد في تصحيح هذه البيانات وهو شيء من الصعوبة بمكان إذ لا ينجح فيه إلا الجهبذ الخبير الذي عرك الحياة، وقتل القواعد المالية والنقدية علما.
ولقيت في هذا الكتاب مميزة كنت أعرفها في أسلوب السيد سيد محمد ولد بوبكر وهي الموضوعية والصدق ، أتذكر أننا ونحن إذ ذاك أعضاء في ديوانه، تعرض لنا مشكلة التوفيق بين الصدق وبين ما تقتضيه أخلاقيات المهنة من تدوير الزوايا ، فكنا إذا عرض لنا شيء من ذاك وقلنا له إن التشخيصات إذا أظهرت سلبيات لا يمكن غض الطرف عنها فلا بد من أخذ أحد الخيارين: إما تجاهلها بحيث لا ندعي أنا أصلحناها، وإما أن نعترف بها ونحاول معالجتها بأسلوب لبق فنحن ما جئنا إلى الديوان على إثر انقلاب أو ثورة وإنما نحن أجزاء من النظام لا يسوغ لنا أن نظهرَ سيئاته التي ربما يكون مغفولا عنها. 

إنني أدعو المثقفين والموظفين إلى قراءة كتاب السيد سيد محمد ولد بوبكر حولَ التجربة الانتقالية التي قادها بكفاءة وإخلاص فإن فيها لفائدة لمن له ولع بهذه الآلية التي تسمى الديموقراطية والتي لم يوجد حتى الآن نظام أحسن منها. 
محمد فال ولد عبد اللطيف