
في عالم اليوم لم يعد نجاح الدول يقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية، بل بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى مشاريع كبرى وخدمات عالية الجودة يستفيد منها المواطن. ومن هذا المنطلق يسعى المختار ولد أجاي، الوزير الأول في موريتانيا، إلى ترسيخ رؤية تقوم على بناء دولة قوية وقادرة على إطلاق مشاريع تنموية كبيرة توفر البنية التحتية والخدمات التي يستحقها المواطن.
إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب قبل كل شيء توفر الإمكانات. ولحسن الحظ، تمتلك موريتانيا مقدرات عديدة، من ثروات معدنية وبحرية وطاقوية، إضافة إلى موقع جغرافي متميز. غير أن استثمار هذه الموارد على الوجه الأمثل لا يتحقق بجهد الدولة وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع.
فكما أن من واجب الدولة أن توفر التعليم الجيد، والصحة، والبنية التحتية، وفرص العمل، فإن على المواطن أيضا واجبات لا تقل أهمية. ومن أبرز هذه الواجبات الالتزام بدفع الضرائب وعدم التهرب منها، لأن الضرائب في حقيقتها ليست عبئًا بلا مقابل، بل هي مساهمة مباشرة في بناء المدارس والمستشفيات والطرق، وفي تمويل المشاريع التي تعود بالنفع على الجميع.
لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن التنمية تقوم على عقد ثقة متبادل بين الدولة والمواطن: دولة تؤدي واجبها في الإدارة الرشيدة والشفافية وتقديم الخدمات، ومواطن يتحمل مسؤوليته في احترام القانون والمساهمة في تمويل المرافق العامة.
ومن الضروري كذلك أن نعمل جميعا على تقريب الدولة من المواطنين وتعزيز الثقة بينها وبين المجتمع. فبعض النظرات العدائية تجاه الدولة ما زالت متأثرة بذاكرة تاريخية تعود إلى زمن الاستعمار، حين كانت الدولة تمثل سلطة مفروضة من الخارج. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة؛ فالدولة الوطنية تدار بسواعد أبنائها، وتسعى لخدمة مصالح شعبها وتنمية وطنها.
إن تجاوز تلك النظرة القديمة خطوة أساسية نحو بناء علاقة صحية بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالدولة ليست كيانا غريبا عن المجتمع، بل هي تعبير عنه وأداة لتنظيمه وتحقيق مصالحه المشتركة.
إن مستقبل موريتانيا يعتمد على هذه الشراكة المتوازنة: دولة قوية وعادلة، ومواطن واعٍ بدوره ومسؤولياته. وعندما يلتقي الجهدان، تصبح التنمية أكثر سرعة، وتتحول الثروات إلى مشاريع، والمشاريع إلى رفاه يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فبناء الوطن مسؤولية مشتركة، وكل خطوة نحو تعزيز الثقة والتعاون بين الدولة والمواطن هي خطوة نحو موريتانيا أكثر تقدما وازدهارا.
_________
محمد المصطفى ولد أزوين

.gif)
