
ثمة مسافة قد تفصل بين صاحب المنصب وصاحب الحاجة، لكن بعض الرجال يُلغون هذه المسافة بحضورهم وحده، ويثبتون أن قيمة المسؤول لا تُقاس بحجم سلطته، بل بمقدار قربه من الناس، واحترامه لهم، واستعداده للاستماع إلى قضاياهم.
هكذا خرجت بانطباعي بعد لقائي بقائد أركان القوات المسلحة، الفريق محمد فال ولد الرايس.
ذهبت أحمل قضية أبحث لها عن أذنٍ تسمع، وعن مسؤول يمنحها ما تستحق من اهتمام. منذ لحظة الوصول كان كل شيء يعكس احترام الإنسان قبل أي شيء آخر؛ استقبال راقٍ، وتنظيم دقيق، وبروتوكول يحفظ للزائر كرامته، ثم انتظار لم يطل كثيرًا، كنت خلاله أرى مدنيين من مختلف الأعمار يدخلون تباعًا ويخرجون بعد أن وجد كل واحد منهم فرصة لعرض حاجته.
وحين جاء دوري، لم أجد ذلك المسؤول الذي ينتظر الناس أن يقفوا أمام مكتبه، بل وجدته عند الباب يستقبلني بنفسه، مرحبا بكل أدب واحترام ، ويدعوني للجلوس بكل ترحاب.
سألني بهدوء: كيف حالكم والأهل
طبعا بماانه لم يسبق له ان تعرف علي باشرت بتقديم نفسي فعاود مرحبا ، ثم بدأت اتحدث عن سبب مجيئي وهو الموضوع كذا ....... حتى بدأ، دون تردد، يجري الاتصالات اللازمة للوصول إلى الجهة المعنية، باحثًا عن حل، لا عن مبرر.
استمر اللقاء أكثر من نصف ساعة، ولم يكن حديث مجاملة، بل وقتًا خصصه رجل مثقل بالمسؤوليات لمحاولة خدمة مواطن جاء يلتمس المساعدة.
ما لفت انتباهي أكثر من أي شيء آخر هو تواضعه. لم أشعر للحظة أنني أمام مسؤول يريد أن يذكّر من أمامه بمنصبه، بل أمام قائد يحترم الناس، فيحترمونه ويحترمون مكانته. كانت ملامح الهدوء، وقلة الحركة، والانضباط في الجلسة، ولغة الجسد الواثقة، تعكس شخصية عسكرية تعرف معنى الهيبة، لكنها تدرك أيضًا أن الهيبة لا تحتاج إلى تكلف، وأن الاحترام لا يُفرض، بل يُكتسب.
ولعل أكثر ما استوقفني خلقه الرفيع؛ فقد كان يغض بصره، ويتحدث بأدب، ويمنح محدثه كامل اهتمامه. وهي صفات قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة عنوان لتربية أصيلة وشخصية متزنة.
إن القائد الحقيقي ليس من يستقبل أصحاب الحاجات ليستمع إلى مشكلاتهم ثم يودعهم، وإنما من يبذل جهده ليساعدهم، حتى وإن لم يكن الأمر من صميم اختصاصه. وهذا ما لمسته خلال ذلك اللقاء.
لا أكتب هذه الكلمات طلبًا لثناء، ولا مجاملة لأحد، وإنما شهادة أؤمن أن من الواجب قولها. فالمجتمعات لا تتقدم بالنقد وحده، بل تتقدم أيضًا حين تنصف أصحاب النماذج المشرقة، ليعرف الناس أن الأخلاق الرفيعة والتواضع والإحساس بالمسؤولية ما زالت صفات حاضرة في بعض الرجال.
تحية تقدير للفريق محمد فال ولد الرايس، ليس لأنه يشغل منصبًا رفيعًا فقط ، بل لأنني رأيت في سلوكه ما يجعل المنصب أكثر احترامًا، ويؤكد أن القيادة الحقيقية لا تبدأ من كرسي، بل من احترام الإنسان ومنحه التقدير .
_________
ام كلثوم محمد المصطفى
.jpeg)
.gif)
